الاربعون صورة حسية لفهم حقيقة الهدف الحسيني

■الشيخ محمد الربيعي
نستعيد في العشرين من شهر صفر، ذكرى أربعين استشهاد الإمام الحسين (ع)، هذه الذكرى الّتي ارتبطت بزيارة مقامه في كربلاء، حيث يفد إليه ملايين البشر من كلِّ بقاع الأرض، لزيارة ضريحه، ومن لم يستطع يزوره عن بعد.
وكل ممن يدعون إلى هذه الزّيارة ويشجع عليها في هذا اليوم، وفي كلِّ وقت، لكونها تمثِّل تعبيراً
عملياً عن الوفاء لهذا الإمام (ع) الذي بذل كلَّ ما بذل من أجل أن يحفظ الإسلام، ولنشهد له عندما نقول في زيارته “أنَّك أقمت الصَّلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وعبدت الله مخلصاً حتى أتاك اليقين”، وليصل الإسلام إلينا نقيّاً صافياً، ولتعزّز لدينا الأهداف التي لأجلها كانت ثورته، والتي عبَّر عنها عندما قال (ع): “وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”، وأن نملك قرارنا في الحياة، فلا نعطي إعطاء الذَّليل، ولا نقرّ إقرار العبيد، وللآثار الروحيّة والإيمانيّة التي تتركها الزيارة على الزائرين، وللثَّواب الذي يحظون به.
إنّنا نريد لهذه الذّكرى أن تمثّل لنا فرصة ومناسبة لاستعادة المعاني والقيم التي عاشها الإمام (ع) في حياته، لا لنكتفي كما يكتفي البعض بإظهار عظمة هذا الإمام (ع)، بل أن نقتدي به، وأن نكون على صورته ومثاله.
وبهذا الاقتداء، نحقِّق الولاية له، فالولاية لا تقف عند إبداء العاطفة ومشاعر الحبّ له، بل أن نتمثّله سلوكاً وعملاً ومواقف، وحيث لا تنال ولايتنا إلَّا بالعمل والورع.
وبذلك، لا تعود هذه الذِّكرى مناسبةً عابرةً في حياتنا، بل مناسبة تترك أثرها في سلوكنا ومواقفنا، وتتحوَّل بعدها إلى ورشة عمل تهدف إلى الإصلاح وإعادة البناء لنفوسنا وللمجتمع.
محل الشاهد :
من أجل تجسيد الفكرة بصورة حسية؛ يقال في الفلسفة الوجود متقوّم بالصورة، يستحيل أن يوجد شيء بدون صورة، كل الموجودات في عالم المادة تحتاج إلى مادة وصورة وبدون صورة لا توجد، إذن الصورة دخيلة في قوام الوجود، ولو لا الصورة لما تحقق الوجود، بل إن الإنسان لا يمكن أن يفهم شيء بدون صورة، لا يمكن لك أن تعقل معنى أو مفهوماً أو فكرة بدون أن يؤطرها ذهنك بصورة حسية، حتى الله سبحانه وتعالى الذي لا أعظم منه ومجرد عن المادة، ومجرد عن المادة وأبعاد المادة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ولكن بمجرد أن يقال «الله» يذهب ذهنك إلى صورة، لا تستطيع أن تتعقل شيء بدون صورة، طبيعة ذهن الإنسان بُرْمج على أن يتلقى الأفكار عبر صورة معينة يرسمها ذهنه، حتى الأشياء التي لا صورة لها يتعقلها من خلال صورة ويفهمها من خلالها، هكذا هي طبيعة الإنسان، الإنسان كما يقول الفلاسفة المحدثون مخلوق إحساسي يعتمد على أحاسيسه، الدماغ يعتمد على الحواس الخمس حتى يفهم ويفكر ويحلل، والإنسان مخلوق إحساسي لا يتعقل فكرةً بدون صورة حسية.
من هنا نقول بأن الطقوس هي تجسيد أفكارٍ عبر صورة حسية حتى يعتنقها الإنسان ويتفاعل معها، لأنه لا يستطيع التفاعل مع الأفكار بشكل مباشر حتى تتجسد في صورة حسية فيتفاعل معها، يقول علماء العرفان أن الإيمان لا يكون راسخاً إلا بصور ثلاث: صورة فطرية، صورة فكرية، صورة حسية.
الصورة الفطرية: الميل نحو الله، يقول القرآن الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]
الصورة الفكرية: هي التي يقول عنها القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
الصورة الحسية: ما لم يكن الإيمان عبر صلاة، صوم، حج، صدقة لا يتحول إلى إيمان، الإيمان يعني سلوك صورة حسية تتجسد على الأرض، ولا يكون الإيمان حقيقياً حتى يتجسد عبر صورة حسية ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «1» الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ «2»﴾ [المؤمنون: 1 – 2] الصورة الحسية هي التي تغرس الفكرة وتحققها تحقيقاً كاملاً، لذلك تحتاج في كل أفكارك إلى صورة حسية حتى ترسخ هذه الأفكار.
من هنا مبادئ الحسين وصوت الحسين ومعركة البطولة التي خاضها الحسين لا يمكن أن تعتنقها جماهير البشر إلا إذا تجسدت عبر صورة حسية، لذلك نحوّل هذه المعركة إلى طقوس حتى يتقبل الإنسان فكرة المعركة عبر الصورة الحسية، ولابد أن تكون الصور الحسية مناسبة للحدث، مثلاً في يوم العاشر من ذي الحجة عندما تأتي لرمي جمرة العقبة، فلو وقف إنسان عند جمرة العقبة وعبر عن المبدأ بعزف العود مثلاً، فأي مبدأ هذا الذي عبر عنه هنا؟ مبدأ رمي جمرة العقبة هو التخلص من الشيطان، ويكون التعبير عن ذلك بصورة حسية تتناسب مع هذا المبدأ، والصورة الحسية التي تتناسب مع مبدأ رفض الشيطان هي رمي الحصيات، وقد اختار الإسلام هذا الطقس لأنه صورة حية منسجمة مع هذا المبدأ ألا وهو التخلص من الشيطان وحبائله، نفس القضية في كربلاء وفي معركة كربلاء، لابد أن نختار طقوس مناسبة لمعركة كربلاء وليس أي طقوس، معركة كربلاء دماء ودموع، وصرخات، ولهفات، وركض، ومشي حفاة، هذه هي معركة كربلاء، معركة ضمت هذه الألوان المتعددة، فلابد أن يكون التعبير عن هذه المعركة عبر طقوس تنسجم معها، والطقس المناسب معها هو طقس الدمعة، طقس المأتم، طقس الصرخة، طقس الزيارة، طقس الزحف إلى قبر الحسين، طقوس تنسجم مع الحكاية والتعبير عن معركة كربلاء وعما جرى على أرض كربلاء، لذلك نختار هذه الطقوس ولهذا ترى الأئمة الطاهرين يحثون على هذه الطقوس لأنها تعبير رمزي حي عما جرى على أرض كربلاء، ورد عن الإمام الرضا : ”من ذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة“، ”من ذكرنا عنده فسال من دمعه مقدار جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر“.
وتجد بعض النصوص تنص على هذه الزيارة العظيمة ألا وهي زيارة الحسين والزحف نحو قبر الحسين ، ففي رواية عبدالله بن حماد البصري عن الصادق قال لي: إن عندكم لفضيلة ما أوتي أحد مثلها وما أحسبكم تعرفونها كنه معرفتها ولا تحافظون عليها ولا على القيام بها، وإن لها لأهلاً خاصة قد سموا لها وأعطوها بلا حول منهم ولا قوة إلا ما كان من صنع الله لهم وسعادة حباهم الله بها، قلت: جعلت فداك وما هذه؟ قال: زيارة جدي الحسين بن علي فإنه غريب بأرض غربة، يبكيه من زاره ويحزن له من لم يزره، ويحترق له من لم يشهده، ويرحمه من نظر إلى قبر ابنه عند رجله، وقد بلغني أن قوماً يأتونه من نواحي الكوفة وناساً من غيرهم، ونساء يندبنه، فبين قارئ يقرأ وقاص يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي، قلت: نعم جعلت فداك شهدت بعض ما تصف. قال: الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا وجعل عدونا من يطعن عليهم في قرابتنا وغيرهم يهدرونهم ويقبحون ما يصنعون.
ورواية معاوية بن وهب، قال: استأذنت على أبي عبد الله الصادق فقيل أدخل، فدخلت فوجدته في مصلاه وجلست حتى قضى صلاته وسمعته يناجي ربه ويقول: اللهم يا من خصنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة وخصنا بالوصية وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولإخواني وزوار قبر أبي عبدالله الحسين الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا، وسروراً أدخلوه على نبيك وإجابة منهم لأمرنا، وغيظاً أدخلوه على عدونا. ثم يقول: اللهم ارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبدالله، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا.
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق وشعبه




