آخر الأخبار
ألمقالات

تضخم الرواتب في العراق: القنبلة الصامتة التي تهدد الاقتصاد الوطني

 

 

بقلم: د. ضياء واجد المهندس – رئيس مجلس الخبراء العراقي

في بلد يعاني من أزمات متداخلة، تشكّل فاتورة الرواتب في العراق واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية التي تهدد ليس فقط الميزانية العامة بل مستقبل التنمية والاستقرار المالي. بلغت هذه الفاتورة في موازنة 2024 أكثر من 80 تريليون دينار عراقي، ما يعادل أكثر من 60% من إجمالي الإنفاق العام، وهي نسبة غير مسبوقة في المنطقة وتتجاوز بكثير المعدل العالمي الذي يتراوح بين 30% – 35%. فماذا يعني هذا الرقم؟ وكيف يمكن معالجته؟ وهل توجد نماذج ناجحة يمكن الاقتداء بها؟

 

أولًا: قراءة في الأرقام

 

إجمالي الموازنة العامة لعام 2024: نحو 134 تريليون دينار.

 

فاتورة الرواتب وحدها: تتجاوز 80 تريليون دينار.

 

نسبة رواتب القطاع العام إلى الموازنة: 60%+.

 

عدد الموظفين في الدولة: ما يزيد عن 4.5 مليون موظف مدني وعسكري.

 

إجمالي المتقاعدين المسجلين: نحو 3.6 مليون متقاعد، بكلفة تقارب 18 تريليون دينار سنويًا.

 

في المقابل، نجد أن:

 

الإنفاق الاستثماري في الموازنة لا يتجاوز 25% من مجموع الإنفاق.

 

معدل نمو الاقتصاد غير النفطي لا يتجاوز 1.5% سنويًا.

 

مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي أقل من 40%، مقارنة بـ60% – 70% في دول المنطقة.

 

ثانيًا: أسباب تفاقم الأزمة

 

1. الاعتماد على التوظيف كأداة لامتصاص البطالة والترضية السياسية.

 

2. غياب التخطيط طويل الأمد وسوء توزيع الموارد البشرية.

 

3. ضعف النظام الضريبي وانخفاض نسبة الجباية مقارنة بالناتج المحلي (لا تتجاوز 3%).

 

4. التضخم في الهياكل الإدارية وتكرار المهام والوظائف بين الوزارات.

 

5. عدم ربط الرواتب بالإنتاجية أو كفاءة الأداء.

 

ثالثًا: الآثار الاقتصادية الكارثية

 

تعطيل مشاريع البنية التحتية بسبب شح الموارد الاستثمارية.

 

ضعف الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والنقل.

 

اعتماد الاقتصاد على الاستيراد وتهميش الإنتاج المحلي.

 

تآكل الاحتياطي النقدي عند انخفاض أسعار النفط.

 

استمرار العجز المالي السنوي واضطرار الحكومة إلى الاقتراض.

 

رابعًا: تجارب دولية ملهمة

 

1. مصر: خفضت الحكومة في 2016 دعم الوقود والكهرباء تدريجيًا، وأعادت هيكلة الجهاز الإداري ببرامج إحالة للتقاعد المبكر وتحفيز القطاع الخاص.

 

2. الأردن: عمل على رقمنة الخدمات الحكومية لتقليص النفقات الإدارية، وفعّل نظم المحاسبة وربط الأداء بالمكافآت.

 

3. رواندا: أنشأت نظامًا حكوميًا إلكترونيًا بالكامل لتخفيض نفقات التشغيل وتعزيز الشفافية.

 

4. ماليزيا: بعد أزمة التسعينيات، خفضت الإنفاق على الرواتب بنسبة 20% خلال 5 سنوات مع تطوير القطاع الصناعي والسياحي لخلق وظائف بديلة.

 

خامسًا: الحلول المقترحة لإنقاذ الاقتصاد العراقي

 

1. إعادة هيكلة القطاع العام

 

تنفيذ تعداد إداري شامل.

 

دمج الوزارات المتشابهة (مثلاً: الثقافة والسياحة، الصناعة والمعادن والطاقة، النقل والاتصالات).

 

تقليص الدرجات الخاصة وإلغاء الوظائف الوهمية.

 

وضع حد أعلى للرواتب وربطها بالإنتاجية.

 

2. تجميد التعيينات العشوائية

 

استثناء القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم بشرط وجود حاجة فعلية.

 

نقل الفائض إلى برامج دعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال.

 

3. إصلاح النظام الضريبي والجمركي

 

توسيع القاعدة الضريبية وتحصيل الضرائب من القطاع غير الرسمي.

 

تقليص الإعفاءات الضريبية غير العادلة، وتحسين الرقابة على الكمارك.

 

4. تبني الحكومة الإلكترونية

 

تقليل الإجراءات الورقية وتقليص الاعتماد على الموارد البشرية.

 

إنشاء منصات موحدة لتقديم الخدمات العامة.

 

أتمتة الرواتب والتحقق من الموظفين عبر البصمة والـ”GPS”.

 

5. إصلاح نظام التقاعد

 

رفع سن التقاعد تدريجيًا إلى 63 عامًا.

 

إلغاء التقاعد المزدوج وتعدد الرواتب.

 

تحسين استثمار صناديق التقاعد في مشاريع إنتاجية.

 

6. دعم الاقتصاد المنتج

 

إنشاء صناديق استثمار حكومية بالشراكة مع القطاع الخاص.

 

إعفاء ضريبي للمشاريع الصناعية والزراعية الناشئة.

 

تحفيز السياحة الداخلية والدينية كرافد سريع للنمو.

 

خاتمة:

 

إن ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد أزمة رواتب، بل أزمة هيكل اقتصادي مشوّه يعتمد على النفط وتوظيف الدولة، في ظل غياب التخطيط الرشيد. معالجة هذا التحدي تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وبرامج إصلاح واقعية قابلة للتطبيق، وتعاوناً بين الحكومة والبرلمان والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وإلا، فإن استمرار النزيف المالي سيؤدي لا محالة إلى انهيار الدولة الريعية وتحولها إلى عبء على مواطنيها بدلاً من أن تكون راعية لحقوقهم وطموحاتهم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى