يا ايها الحسينيون

■ *الشيخ محمد الربيعي*
■ يا ايها الحسينيون :
باقية عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام) تلهم كلّ جيل بالفكر الواعي المنفتح على كلّ قضايا الحياة، وبالحركة الهادفة من أجل الإسلام في خطّ العدالة والحريّة، وبالمضمون الإنساني في تطلُّعات الإنسان إلى التغيير من أجل الأفضل، وبالروح المحلّقة في رحاب الله بكلّ ما يقرّبها إليه ويوصلها به في عمق العبودية المتحرّكة في آفاق التقوى.
لأنَّ عاشوراء تحمل في داخلها الحقّ كلّه في مواقفها، والعدل كلّه في أهدافها، والحركيّة المسؤولة في حركتها، والروحانية الفيّاضة في الإخلاص لله والذوبان فيه، والتضحية في سبيله، والمحبّة العميقة الممتدة امتداد الإنسانية في الإيمان.
في موسم عاشوراء وفي غيره من المواسم، نحتاج إلى أن نتفهّم حركة الإمام الحسين(ع) فهماً واعياً منفتحاً على القضايا الأساسيّة كلّها التي تماثل القضايا التي انطلق منها الإمام الحسين(ع)، لأنّ المسائل التي كان يفكّر فيها الحسين(ع)، لم تكن من المسائل الفريدة في الحياة، بل كانت نموذجاً لقضايا تسير مع الزّمن كلّه، وتوجد في كلّ مكان. لذلك، لا نريد أن نتطلّع إلى كربلاء لندرس كيف كان موقف الإمام الحسين(ع)، ثم لا يكون لنا أيّ موقف مماثل من القضايا الّتي تكون في الدرجة نفسها من الأهميّة لما ثار الحسين من أجله”.
■ يا ايها الحسينيون :
في عاشوراء، تختلط المأساة بالجهاد، وتلتقي القضية بالذّات، ويتجمَّد فيها الرمز أمام الشخص، فإذا بها في امتداد الذكرى أنهار من الدموع، بدلاً من أن تكون عواصف في الثورة، وإذا بالتصوُّر التاريخي العاطفي يقدِّمها إلينا كخصوصيّة في الذّات لتكون القضية المنفتحة فيها من شؤون الذّات، بعيداً عن أن تكون حركة الذّات من نتاج القضية وملامحها الأصيلة… ثمّ… كانت المسألة أنّها تعيش، في وعي الكثيرين من الناس، معنىً يتجمَّد في الشخص ليغلق عليه أبواب التاريخ، لا رمزاً ينطلق من الماضي ليدفع كلّ حركة الحاضر في اتّجاه خطّه الطويل.. وهكذا لم تعد عاشوراء في الوعي الفكري والروحي في آفاق الذهنية الإسلامية شيئاً للحركة بل تحوَّلت إلى شيء للذكرى لإثارة الإحساس، وتجييش الانفعال، واستنزاف الدموع، وتأكيد الولاء في معنى المحبّة.
وقد استطاع هذا الجوّ أن يدفع بالذكرى إلى أن تبني بعض التقاليد في الواقع الشعبي التاريخي، بحيث أصبحت مجرّد عادة شعبية فيما هو الانفعال بالمأساة وفيما هو الزهو بالبطولات، وفيما هو الاستغراق في عناصر الإثارة، حتّى تتغذَّى العاطفة في كلّ مرحلةٍ بشيءٍ جديد من الأخبار والتحليلات، ممّا جعل الحقيقة تضيع في غمار الأكاذيب، وأطلق للخيال الكثير من الآفاق في حركة المشاعر في معنى المأساة، وأدخل في المضمون الفكري بعض المفاهيم التي لا تلتقي بالمفهوم الإسلامي الأصيل، ولا تمتد إلى العنوان الكبير للقضية.
■ يا ايها الحسينيون :
ان من شؤون الأُمّة الحسينية أن تتحمَّل مسؤولية القيادة، لأن الأُمّة هي التي ترفع وهي التي تضع من حيث الآلية، ونقول من حيث الآليّة، لأنَّ حقيقة الرفع والوضيع بيد الله عزَّ وجلَّ، فالأُمّة تؤيّد، فترفع أُناساً، وتخذل وترفض، فتنزل أُناساً وتضعهم.
في هذا المجال الأُمّة تتحمَّل مسؤولية القيادة الصالحة والقيادة غير الصالحة.. لأنَّ القيادة الصالحة قد تكون موجودة في المجتمع، ولكن لا يتبعها أحد.
فنحن نجد أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بقي في بيته خمساً وعشرين سنة، بالرغم من أنّه ليس أحدٌ أكفأ من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وبالرغم من أنّه (عليه السلام) يملك الحقّ ويفهمه أكثر من الآخرين، ويستطيع أن يمسك بالعدل بشكلٍ دقيق، وهو الذي يفهم الحياة بأفضل من كلّ أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو الذي يعي عمق الإنسان.
لذلك فقد تكون قيادةٌ مِن أصلح ما يكون، كقيادة عليّ (عليه السلام)، ولكن نقاط الضعف، الموجودة في الأُمّة، والأوضاع القلقة التي تحيط بالأُمّة، هي التي تجعل القائد الصالح فاقد القوّة في المجتمع.
وفي المقابل قد تنتخب الأُمّة، أو تؤيِّد، أو تتبع قيادات غير صالحة في هذا المجال فتكون كلّ نتائج هذه القيادة الفاسدة، على عاتق الأُمّة، ومن خلال ذلك نجد أنَّ الأئمّة (عليهم السلام)، في فترة حكم بني أُميّة، كانوا يحمِّلون الناس مسؤولية حكم بني أُميّة، بما مضمونه: “لولا أنّ بني أُميّة وجدوا مَن يدوِّن لهم الدواوين ويكتب لهم ويعينهم ويحارِب معهم لما قدروا على غصب حقّنا”.
لذلك، فعندما نعيش في أي مجتمع، ويكون لكلامنا تأثير في قضايا تتعلَّق بالصالح العام كما في قضية التصويت في الانتخابات مثلاً، فلا بدّ لنا من أن نتحمَّل مسؤولية كلامنا، فلا نطلقه كيفما كان ، فلا بدّ أن تنظر مَن سيكون ، لا على أساس القرابة، العائلية، أو القروية، او العشائرية ،أو الحزبية، أو ما إلى ذلك من أنواع التجمُّعات، بل على أساس أنَّ هذه الاختيارات تمثّل موقعاً من مواقع المجتمع، ولا بدّ من إعطاء الصوت لمن يمكن له أن يحقّق أهداف المجتمع أكثر.
وكذلك عندما تكون في حزب إسلامي، أو في تجمُّع إسلامي، أو في حركة إسلامية، ولك صوت في هذا المجال، فلا تفكِّر في الحسابات الشخصية، فإنَّ صوتك يمثّل مسؤولية أمام الله.. فهذا الذي سأنتخبه وسينجح قد يقوم بأشياء ترفع المستوى أو أشياء تخفض المستوى، وقد يدخل في ما لا يرضي الله، أو فيما يرضاه.
وهكذا.. في الانتخابات ، فإنّك تنتخب إنساناً ليقوم بشؤون البلد، ويرعى مصالحه، فلا مجال للجوانب الشخصية في ذلك؛ فلا بدّ أن تراجع وجدانك، وتُشاوِر إخوانك، لترى مَن هو الأصلح، ومَن الذي يمكن أن يخدم الناس أكثر، ومن الذي يمكن أن يركِّز الأشياء الأساسية في حياة الناس أكثر.
وكذلك بالنسبة إلى الانتخابات النيابيّة .
إنَّ أيّة حكومة لا تستطيع أن تقوم بالمشاريع إلاّ بعد أن يصوّت عليها مجلس النواب؛ والحكومة قد تقدّم مشاريع فيها خيانة للوطن وقد تكون مشاريع كمشروع الصلح مع (إسرائيل)، أو مشاريع تجعل البلد تحت سيطرة أميركا، أو سيطرة أي جهة مستكبرة وظالمة.
فهؤلاء النواب قد يعطون الثقة لحكومة ليست في مستوى الثقة، وقد يشرّعون قوانين فيها ظلم للنّاس، وفيها تحميل للنّاس مسؤوليات ثقيلة أكثر من طاقتهم، فإنَّ الذي يكون مسؤولاً في هذه الحال هو أنتَ وأنا والآخرون، لأنَّ كلّ صوت في أصواتنا يُنجِح شخصاً ويُسقِط شخصاً، ومعنى ذلك أنّك تتحمّل مسؤولية كلّ ما يصدر من قرارات بحجم صوتك.
لذلك، فعندما تريد أن تعطي صوتك، عليك أن تفكِّر: لو سألني الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، لماذا أعطيت صوتك لفلان؟ فإذا كنتَ منطلقاً من وعي للمسألة السياسية، ووعي للمسؤولية عن أهلك، وعن أُمّتك، وعن قومك، فتقول: يا ربّ أنا أجد فلاناً كذا وكذا ممّا يكون لك العذر فيه أمام الله عزَّ وجلّ، أمّا إذا لم يكن لديك وعي للمسؤولية، فإنّك لن تستطيع أن تعطي عذراً مقبولاً على ذلك.
إنَّ علينا أن نعي نقطة، وهي أنَّ النائب يتحمّل مسؤوليّة الخطّ السياسي الذي يعطي نتائجه السلبية والإيجابية على مستوى البلد كلّه، فلا بدّ أن يكون نظرنا إلى مَن نختار وكيف نختار للبلد.
فعلى سبيل المثال؛ نحن في الامة الاسلامية ، وفي غيره من البلدان العربية والإسلامية، قد نعاني من القوانين التي صدَّق عليها أُناس لم يكونوا في موقع الإحساس بالمسؤولية، والحديث يقول: “مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا ـــ وقال في ضدّه ـــ وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا”. فأنتَ عندما تنتخب شخصاً صالحاً، فإنّك بذلك تسنّ سُنّة حَسَنة، وعندما تنتخب شخصاً فاسداً أو غير صالح، فإنّك بذلك تسنّ سُنّة سيّئة تتحمَّل أنتَ مسؤولية كلّ ما ينتج عنها من سلبيات.. فلا بدّ لنا أن ندرس هذه النقطة بعمق. وكذلك لا بدّ أن نلتفت إلى أنّ صوتك تتحمَّل أنتَ فقط مسؤوليّته، فلا يلتفتْ الإنسان إلى من يصوت ( عشيرة ، منطقة ، حزب …الى اخره ، والله يقول: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} .
■ ايها الحسينيون :
الاستكبار يريد إسقاط الجميع
انَّ الاستكبار العالمي، والكفر العالمي، لا يستهدف في كلّ خطواته السياسية، والاقتصادية والأمنية والثقافية الشيعة وحدهم، ولا يستهدف السُنّة وحدهم. عندما ينطلق الشيعة في حالة ترفض الاستكبار العالمي فإنّه يحاول أن يتحدَّث مع السُنّة أنَّ هذه حركة شيعيّة لا دخل لكم بها، كما حاول الاستكبار العالمي أن يتحدَّث عن إيران الإسلام، عندما انطلق الإمام الخميني (رضي الله عنه) بالثورة، فتحدَّث أنَّ هذه ليست ثورة إسلامية، وإنَّما هي ثورة شيعيّة يمكن أن تشكِّل خطراً على الواقع السُنّي، وعندما تحرّك السُنّة أيضاً في أكثر من موقع من المواقع المضادّة للاستكبار العالمي، بدأ يتحدَّث عن هذه الأصولية السُّنيّة، وأنّها لا دخل للشيعة فيها، حتّى لا يجتمع الشيعة والسُّنّة على الوقوف في موقع واحد، في مواجهة الاستكبار العالمي.
نحن مثلاً نقرأ في القرآن الكريم {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، ونقرأ أيضاً في كلمات القرآن الكريم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} والمراد بالمؤمنين هنا المسلمون الذين انطلقوا بإسلامهم من موقع قناعتهم بالإسلام.
وهكذا عندما نجد أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو صاحب الحقّ في مسألة الخلافة فإنَّنا نجد أنّه كان المهم عنده أن تسلم أمور المسلمين، وأن لا ينطلق الكافرون ليسيطروا عليهم، فقال: “لأسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلا عَلَيَّ خَاصَّةً”فلا بأس إذا كنت أظلم وحدي، فالمهم أن لا يُظلم المسلمون، وأن لا تتمزَّق قضاياهم، وقد صبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو صاحب الحقّ الذي انطلق من بيعة الغدير، ومن كلمات النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في أكثر من مرّة، صبر من أجل الإسلام كلّه، “فَصَبْرَتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذىً، وَفِي الْحَلْقِ شَجًا”، لأنَّ الواقع الإسلامي لم يكن يسمح له بأن يقف في خطّ المواجهة، وأنَّ القضية قضية الإسلام، وليست قضية شخصية كما عبَّر أكثر من مرّة.
وعندما نأتي للأساليب التي نواجهها في كلّ خلافاتنا، فإنَّنا نجد القرآن يقول: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، بحيث إنّك إذا كانت تريد أن تدعو إلى عقيدتك الإسلامية، أو إلى مذهبك، أو إلى ربّك فعليك أن تراعي الحكمة في دعوتك، وعليك أن تنطلق بالموعظة الحسنة، التي تليِّن قلوب الناس وترقّقها، وعليك أن تجادل ـــ عندما تدخل الجدال ـــ بالتي هي أحسن، وبالأسلوب الأحسن، الذي يمكن أن يجلب قناعات الآخرين إلى قناعاتك؛ والله أوصانا مع أهل الكتاب أن نجادلهم بالتي هي أحسن، فكيف بالمسلمين؟!
والله يقول: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بأن تكون كلماتك الأفضل التي تفتح العقل والقلب.. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} هذه هي تعليمات القرآن، فأين نحن منها عندما نختلف شيعة وسُنّة؟ أو نختلف شيعة فيما بيننا؟ أو سُنّة مع بعضنا البعض؟ في القضايا السياسية، أو في الأمور الأخرى؟ هل نتحرّك بأسلوب القرآن؟ هل نجادل بالتي هي أحسن؟ هل ندفع بالتي هي أحسن؟ هل نقول الكلمة التي هي أحسن؟ هل ندعو إلى رأينا بالحكمة والموعظة الحسنة؟.
الإسلام ليس صلاة وصوماً وحجّاً فقط.. الإسلام منهج للحياة، أسلوب في الحركة والحوار، وفي مواجهة الواقع كلّه. لماذا لم يتحدَّث الله عن علم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أو عن زهده أو شجاعته؟ لقد تحدَّث عن أخلاق النبيّ فقط: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} وهذا هو الذي ساهم في تقريب الناس إلى الإسلام.
إذا لم يعجبك الأشخاص الذين يقدّسون هذا الفريق، ولا تعتقد بهم، فهذا من حقّك، وهذه وجهة نظرك، لكن لا تسبّ فالسبّ ليس وسيلة من وسائل الإقناع، والوصول إلى الحقيقة.
نحن نـأخذ مفهوم عدم السبّ من القرآن، ومن كلام عليّ (عليه السلام)؛ القرآن يقول: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ} أي الذين يعبدون الأصنام، والذين يشركون بالله غيره، فيقول لا تسبُّوهم، بل جادلوهم، حاوروهم، وفي بعض الحالات قاطعوهم، لكن لا تسبُّوهم، لأنَّ السبّ يخلق ردّة فعل، فأنتَ عندما تسبّ أبا شخص فسيسبّ أباك، وعندما تسبّ عائلته فسيسبّ عائلتك، وعندما تسبّ دينه فسيسبّ دينك، وعندما تسبّ مقدّساته فسيسبّ مقدّساتك. لأنَّ هذا الفعل السلبي في مواجهة مقدّسات الآخرين سوف يقابل بردّ فعل سلبي للإساءة إلى مقدّساتك: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}، لماذا؟ لأنَّ كلّ واحد يعتقد أنّه على حقّ، وأنَّ مقدّساته هي المقدّسات، والسبّ لا يكون طريقاً من طرق الإقناع، {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}، وهذا هو الخطّ القرآني.
عليّ (عليه السلام) يرفض الروح التدميريّة
نأتي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) تلميذ القرآن، وتلميذ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، الذي عقله عقل القرآن، وقلبه قلب القرآن، وحكمه حكم القرآن، وكلّ كلماته كلمات القرآن، كما كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد علَّمه كلّ تفاصيل القرآن، حتّى أنّه ليس هناك مثل عليّ (عليه السلام) في وعيه لجزئيّات القرآن وتفاصيله.. فقد سمع قوماً من أصحابه يسبُّون أهل الشام وهو في قتال معهم في معركة صفّين، ونحن بحسب واقعنا إذا سمع القائد جماعته يسبُّون الجماعة الأخرى ويلعنونهم فإنّه يروقه الأمر، لأنّها تشدّ أعصابهم، وتثير حميّتهم أكثر، أليس كذلك؟ أليس هذا هو وضعنا في خلافاتنا العائلية والحزبية والسياسية والمذهبية؟
ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لهم: “إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ” ـــ نتحدَّث بمنطق ماذا فعلوا ـــ “وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي اَلْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي اَلْعُذْرِ” ـــ هؤلاء مسلمون، وأنتم مسلمون، وقد اختلفتم، وخلافكم على الحق، لا يجب أن يحمّلكم عقدة ضدّ المسلمين ـــ “وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ اَللَّهُمَّ اِحْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ وَاِهْدِهِمْ مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ اَلْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَيَرْعَوِيَ عَنِ اَلْغَيِّ وَاَلْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ”.
فنلاحظ أنَّ الإمام عليّ (عليه السلام) كان الإنسان الرسالي، حتّى في ساحة المعركة، وكان يريد لأصحابه أن يكونوا في مستوى المسؤولية الفكرية والإسلامية، بحيث لا تكون روحيّتهم ـــ حتّى وهم يدخلون حرباً حارّة بينهم وبين أهل الشام ـــ أن لا تكون روحيّتهم روحية تدميرية، وروح حقد وبغضاء، وإنّما تنطلق من خلال مسؤولية وتكليف شرعي في هذا المجال.
إذا كان عليّ (عليه السلام) يفكِّر بهذه الطريقة فهل يفكِّر شيعته بهذه الطريقة؟ وها هو يقول لنا من عليائه: “أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ، بِقُرْصَيْهِ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني”.. إنّه يطلب منّا أن نساعده على أنفسنا، وعلى خدمة الإسلام، وعلى مواجهة التحدّيات بالعقل والوعي والمسؤولية والتقوى، “وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد، وَعِفَّة وَسَدَاد”، وعلى خطّ عليّ (عليه السلام) أيضاً، لا بدّ أن نسير في حركة الوحدة الإسلامية.
■ ياايها الحسينيون :
في الأيام من هذا الموسم، موسم عاشوراء، على كلّ واحدٍ منّا، رجالاً ونساء، أن يدرس نفسه من الداخل.. ما الذي تغيَّر فيه؟ ما هو العنصر الروحي أو الأخلاقي أو الحركي الذي استطاع أن يحصل عليه من عاشوراء ليجعل نفسه على صورة النماذج الطيّبة في عاشوراء من رجال أو نساء؟
لأنَّ قيمة الذكرى هي بمقدار ما يدخل منها إلى عقولنا وحركتنا، كيف كنّا نفكّر في الله، وفي الإسلام، والحياة، وفي مسؤوليّاتنا، وعلاقاتنا مع بعضنا البعض؟، كيف كانت أساليبنا عندما نتحرّك في أوضاعنا؟ هل كانت أساليبنا أساليب العنف، أو كانت أساليب الرّفق واللّين؟ كيف كانت تصرّفاتنا؟ هل كانت مدروسة بحيث لا يتصرَّف الإنسان في شأن شخصي أو عائلي أو اجتماعي أو سياسي إلاّ بعد أن يدرس المسألة من جميع جوانبها؟ أو أنّ الإنسان يتصرّف بمزاجه، أو بوحي بيئته، أو بوحي ما يريده الناس منه؟ كيف كنّا قبل عاشوراء من ذلك كلّه سلباً أو إيجاباً؟ وهل استطاعت عاشوراء أن تضيف شيئاً في العقل؟.
كيف كانت قلوبنا في عاشوراء؟.. وللقلب في حياة الإنسان دورٌ كبير، لأنَّ القلب رمز العاطفة والإحساس، هل كانت قلوبنا تنفتح على العاطفة المتوازنة، بحيث إنَّنا إذا أردنا أن نحبّ أحداً فإنَّنا نحبّه بحساب، وذلك بدراسة كلّ العناصر التي تحبِّب إنساناً بإنسان، وإذا أردنا أن نرفض إنساناً فعلينا أن نرفضه بحساب، من خلال الخصوصيّات التي يرفض فيها الناس بعضهم البعض، ويبغضون بعضهم البعض.. سواء كانت المحبّة لشخص أو لجهة.
لذلك قد يكون من المفروض علينا، لتطوير إنسانيّتنا، واستقامة حياتنا، أن نربّي قلوبنا بثقافة العاطفة كما نربّي عقولنا، فكما يدخل الإنسان منّا المدارس والجامعات ويقرأ الكتب، ويستمع المحاضرات، ليربّي عقله، حتّى يتحوّل عقله إلى أن يكون قوّة فكرية يستطيع أن يؤثّر في الحياة ويُغني تجربتها.. كذلك لا بدّ أن نربّي قلوبنا، لأنَّ القلب عندما يخطئ الاتجاه الصحيح في العاطفة فقد يدمّر الإنسان، فإذا أحببنا مَن لا يستحقّ الحبّ، لأنَّنا انطلقنا من سطحية في حبّنا، فربّما يختفي في داخله خبث دفين يدمّر لنا حياتنا في المستقبل.. وعندما نبغض إنساناً من خلال السطح، فربّما يكون في هذا الإنسان عنصر طيّب في العمق بحيث يتحوَّل بغضنا له إلى تدمير لحياتنا التي يحرمنا البغض من أن نتلمَّس لها مواقع الطيب.
إنَّ علينا، سواء في حبّنا العاطفي الغريزي الإنساني، أو في حبّنا للأشخاص الذين يملكون علماً أو قيمة أو بطولة، إنَّ علينا أن نرفض الحبّ الأعمى.. فلا بدّ أن يكون الحبّ مفتوح العينين، وإذا كان هناك غشاوة في العين فلا بدّ لنا أن نداويها، وطبعاً ليس عين البصر، وإنّما عين البصيرة {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.
ولعلَّ مأساة الإنسان في التاريخ هي أنّ الجماهير كانت تحبّ مَن لا يستحقون الحبّ وكانت تبغض مَن لا يستحقون البغض.
ولعلَّ مأساة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت في الجماهير التي كانت تعيش سطحية حبّ الحسين في قلوبها، ولكنَّ الأهواء مع بني أُميّة، ولذا فقد انطلقت مع هؤلاء وتركت الحسين؛ وهذه هي مأساة الحبّ الذي لا يعرف طريقه.
لذلك لا بدّ لنا أن نفكِّر في هذه العاطفة التي تعيش في قلوبنا. هل هي عاقلة أو مجنونة، هل هي عاطفة طفلة، تتحرَّك على طريقة الأطفال، أو هي راشدة تنطلق من خلال الوعي والعمق.
وعندما نريد أن ندرس ماذا حصَّلنا من عاشوراء، علينا أن ندرس كيف كانت حركتنا قبل عاشوراء على المستوى الاجتماعي؟.. فلكلّ إنسان منّا حركة اجتماعية، فنحن جزء من مجتمع، وكلّ واحدٍ منّا يتحرّك في عائلته ومحلّته ومنطقته ووطنه وأُمّته، حركةً قد تضيق وقد تتّسع بحسب حجمه الذي يملكه في طاقته.
كذلك وعلى المستوى السياسي.. فنحن جزء من واقع سياسي لا نستطيع أن ننفصل عنه، وإذا انفصلنا عنه فهو لا ينفصل عنّا.. الحكم الذي يسيطر على البلد أو على المنطقة.. الاحتلال الذي يسيطر على البلد أو على المنطقة.. كلّ خطوط السياسة الدولية والإقليميّة، إذا لم نراقبها فهي تفرض نفسها علينا في اقتصادنا وسياستنا واجتماعنا، فإذا لم نشارك في المسألة السياسية، ولم نتحمَّل مسؤوليّتنا السياسية، فإنَّ السياسة تدخل إلى بيوتنا، وتتدخَّل في نظام حياتنا، وفي اقتصادنا، وفي نمط العلاقات السياسية مع الدول في الخارج، وهذه كلّها تنعكس سلباً أو إيجاباً علينا.
لذلك لا يمكن للإنسان عندما يعيش إنسانيّته وحيويّته وحاجته، لا يمكن له أن ينفصل عن الواقع السياسي، لأنَّ الواقع السياسي ليس واقع الناس الذين يديرون السياسة، بل هو واقع الشعب الذي يخضع لكلّ تأثيرات هذه السياسة.
لذلك لا بدّ للإنسان أن ـــ يحدِّد موقعه السياسي، مع مَن يكون؟ فعندما يكون هناك احتلال وفريق يعمل للتحرير، وعندما يكون هناك فريق إسلامي وفريق كافر؛ أو فريق المستكبرين وفريق المستضعفين، فريق المخلصين وفريق الخائنين، لا بدّ للإنسان أن يحدِّد موقعه، لأنَّ الإنسان الحيادي بين الخطوط المتصارعة التي قد يكون فيها حقّ وباطل، هو إنسان ميّت مشلول.. نعم عندما تكون الجهتان على باطل، فهنا نقف موقف الحياد، بل نكون ضدّ الاثنين؛ ولكن عندما يكون هناك جهة حقّ وجهة باطل، فلا يجوز أن نقول: نحن لسنا مع هذا ولا مع هذا، بل لا بدّ أن نكون مع الحقّ ضدّ الباطل.
عندما يكون هناك خطّ للظلم وخطّ للعدل لا بدّ أن نكون مع خطّ العدل، وهذا ما يؤكّده الإمام عليّ (عليه السلام) في وصيّته لولديه الإمامين الحسنين (عليهما السلام)، ولجميع ولده ومَن بلغه كتابه: “كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً”. وهناك كلمة للإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث كان يتكلَّم مع بعض أصحابه: “أبلغ خيراً وقُلْ خيراً..”، فعندما يكون في الساحة خير وشرّ، اختر الخير واترك الشرّ ولا تكن حيادياً في ذلك، “ولا تكن إِمَّعَة”، قيل وما الإمَّعة؟ قال: أن تقول أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس، إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: “أيُّها الناس إنّما هما نجدان” أي طريقان، “نجدُ خير ونجد شرّ فلا يكن نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير”.
عليكم أن تتَّخذوا موقفكم مع الخير حتّى لو كلَّفكم بعض التضحيات، لأنّكم إذا اخترتم الخير الآن فستربحون النتيجة، وإذا رضختم للشرّ الآن فستأتيكم النتائج السلبية في النهاية حتّى لو كان طعمه حلواً في البداية، لأنَّ الأمور في عواقبها.
■ يا ايها الحسينيون :
لا بدّ للإنسان في عاشوراء أن ينظر إلى نفسه.. هل كنتُ حيادياً في الصراع أم لا؟ فالحسين (عليه السلام) انطلق في عاشوراء من موقع الحسابات الدقيقة من موقع العناوين الكبرى. وقال في كلمته: “ألاَ ترون إلى الحق لا يُعمَل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه، فإنّي لا أرى الموت إلاَّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاَّ بَرَماً”، الحقّ والباطل ليسا شيئين معلّقين في الهواء، بل هما يمثّلان مفردات حياتنا سواء على مستوى العقيدة أو السلوك… فهناك عقيدة حقّ وعقيدة باطل، فالتوحيد حقّ، والشرك باطل، والسير على خطّ الرسالة حقّ، والسير على خلاف الرسالة باطل، مع الله حقّ ومع الشيطان باطل، والأكلة المحلَّلة حقّ، والأكلة المحرّمة باطل، ومعاشرة الزوج زوجته بالمعروف حقّ، ومعاشرته لها بغير المعروف باطل، ومعاشرة الزوجة لزوجها على أساس حفظ الأمانة في الحياة الزوجية حقّ، وخيانة الحياة الزوجية بأي طريقة من الطرق باطل وضرب أولادنا نتيجة غضب باطل، وضربهم للتأديب حقّ.. وهكذا..
فكلّ ما أَمَرَ الله به هو حقّ، وكلّ ما نهى عنه الله فهو باطل.. لذلك يمكننا أن نعرف أنفسنا إذا كانت تسير على الحق أو على الباطل عندما ندرس الطريق الذي نسير عليه، والعمل الذي نعمله، والكلمات التي نقولها.
اللهم احفظ الاسلام و اهله
اللهم احفظ العراق و شعبه




