آخر الأخبار
ألمقالات

درس في الطاعة… من فم القائد إلى قلبي

 

رسول حسين أبو السبح
في عالم القادة العظماء، حيث تتقاطع النار بالإيمان، ويكون الحسم وجهًا آخر للرحمة، تقف بعض المشاهد الصغيرة شاهدًا خالدًا على عظمة الروح التي سكنت أجسادهم. هذه ليست مجرد حكاية، بل لحظة متوهجة في سيرة رجل حمل روحه بين يديه، ومضى بها إلى ميادين العشق والشهادة.

يروي الشهيد القائد الكبير الحاج رمضان، الذي صعدت روحه الطاهرة قبل أيام إلى السماء برصاص الكيان المجرم، مشهدًا لا يُنسى جمعه برفيق دربه، القائد الشهيد الحاج الكرماني (قُدّس سرّه).

يقول الحاج رمضان:

“كان يمكث طويلًا في سوريا، أحيانًا شهرين أو ثلاثة، وحين كنت أطلب لقاءه في حلب كان يرفض بلطف ويصرّ على لقائي في دمشق أو بيروت.”

كان الحاج الكرماني يعلم أن حضوري إلى حلب ليس ضرورة، بل شوقًا، وربما عاطفة لا مكان لها حين تشتدّ رحى الحرب. لكن في أحد الأيام اشتدت المعركة هناك، وأصررت على الذهاب. رغم تحذير أحد الإخوة بأن الحاج سيغضب، قلت له بثقة فيها شيء من الطيش: “لن يعلم… دعنا نذهب.”

وصلت غرفة العمليات في ظلام تام. كانت الكهرباء مقطوعة، والقصف يهز الجدران. دخلت بخفة وجلست خلف الحاج الكرماني الذي كان يرسم الخطة على الخريطة. لم أشأ أن أُشعره بوجودي. ولكن… عاد النور فجأة. التفت الحاج، حيّا من في الغرفة، وحين وقعت عيناه عليّ تغيّر وجهه.

“ألم أقل لك لا تأتِ إلى هنا؟!”

قالها بصرامة تقطع الأنفاس. لم أجب. كنت أعرف أنني أخطأت.

ترك المكان، وذهبت أنا إلى زاويةٍ أُراجع فيها نفسي. بعدها، جاء الشهيد بورجعفري وقال لي:

“الحاج يقول: تعال تناول الطعام معه.”

كان الحاج صائمًا في ذلك اليوم، وبعد صلاة المغرب، جلسنا على مائدة بسيطة. نظر إليّ وقال بهدوء:

“اجلس.”

قلت له ممازحًا:

“هل تريد أن تراضيني؟”
ابتسم وأجاب:
“نعم.”
فقلت:
“إذن أطعمْني بيدك.”
فابتسم مرة أخرى وقال:
“قبلت.”

ثم أخذ لقمة بيده ووضعها في فمي… وكانت اللقمة أغلى من الطعام نفسه؛ كانت لقمة الحنان، لقمة الاعتراف بالمحبة رغم الغضب.

لكني لم أستطع كتمان ما في قلبي، فقلت له:

“لماذا أحرجتني أمام الإخوة؟”

فقال بنبرة الحزم نفسها:

“لأنك لم تسمع كلامي.”

قلت له مداعبًا هذه المرة بعمق:

“وحضرتك، عندما يقول لك السيد القائد الخامنئي: لا تذهب إلى أماكن الخطر، هل تستمع له؟”

هنا تحوّلت ملامحه إلى رجل حكيم يحمل عبءَ الدم والرسالة، وقال لي جملة لا تزال محفورة في قلبي:

“أنا إذا أصابني مكروه، فعملي يُحتّم عليّ التواجد هنا، ولدي جواب أمام الله.
أما أنت، فإن حصل لك شيء، فلن يكون في سبيل الله، بل لأن قلبك دفعك للحضور.”

حينها، لم أجد جوابًا إلا كلمة واحدة:

“كلامك صحيح.”

نعم، كان الحاج الكرماني قائدًا من طراز فريد: شجاعًا عند القرار، لكنه ناعم كالندى في لحظات الصفاء. لم يكن غضبه حقدًا، بل حرصًا؛ لم تكن صرامته قسوة، بل مسؤولية.

حتى حين يغضب، لا يلبث أن يُرضي الطرف الآخر ويأخذ بخاطره. يزن كلماته بميزان الدقة، ولا يتكلم إلا لحكمة، ولا يصمت إلا لهيبة.

في مشهد اللقمة التي وُضعت في الفم، اختصر الحاج الكرماني منهج القيادة الذي عاشه واستشهد عليه: أن تكون قائدًا، لا يعني أن تقتل العاطفة. وأن تحرص، لا يعني أن تقسو.

ولذا، حين ارتقى الحاج رمضان شهيدًا، لم تكن الحادثة ذكرى عابرة، بل وميضًا من نورٍ يُضيء درب العابرين إلى الله، أولئك الذين عرفوا أن الطاعة، والرفق، والحكمة، كلها منازل في طريق الشهادة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى