إسرائيل بعد الزوال.. “قراءة في المآلات الفكرية والاستراتيجية في ضوء فلسفة السيد الخامنئي دام ظله”

رسول حسين
تشكل الرؤية الفقهية والفكرية للسيد القائد علي الخامنئي دام ظله مرجعًا مركزيًا في فهم طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، لا باعتباره مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل كمعركة وجودية ذات أبعاد حضارية وروحية. ويدعو سماحته إلى تخطيط شامل لمرحلة “ما بعد زوال إسرائيل”، مؤكدًا أن المشروع الإسلامي لا ينتهي عند إزالة الكيان المؤقت، بل يبدأ منها بناء جديد قائم على العدالة والمقاومة والمشاركة الإنسانية.
زوال إسرائيل: وعد إلهي حتمي أم مشروع استراتيجي؟
في خطابه بمناسبة يوم القدس العالمي (2020)، أكد سماحة السيد الخامنئي دام ظله أن زوال إسرائيل هو “وعد إلهي لا محالة واقع”، لكنه شدد على ضرورة تحويل هذا الوعد إلى مشروع استراتيجي عبر تعبئة الأمة والمقاومة (نص الخطاب، وكالة تسنيم الدولية، 2020).
فلسفة الوجود المؤقت للكيان الصهيوني
يرى السيد الخامنئي أن إسرائيل ليست دولة طبيعية بل “كيان مصطنع”، ووجودها رهن بإرادة القوى الاستعمارية. يقول: “لا تملك إسرائيل جذورًا في الأرض أو في الناس، فهي طارئة، والطارئ لا يدوم” (دروس ولاية الفقيه، إعداد مركز المعارف، ص102).
المقاومة كأساس لتحرير فلسطين وليس كمرحلة
وفقًا للسيد القائد، فإن المقاومة ليست خيارًا مؤقتًا أو تكتيكًا سياسيًا، بل نهج تحريري ممتد يجب أن يستمر حتى ما بعد الزوال، لتحصين فلسطين الجديدة من الهيمنة الصهيونية الثقافية أو الاقتصادية (الخامنئي، خطاب 2011، مركز حفظ ونشر آثار القائد).
فلسطين ما بعد التحرير: نموذج الدولة الجامعة
يطرح سماحته مشروع إقامة دولة فلسطينية واحدة تضم المسلمين والمسيحيين واليهود الأصليين الذين عاشوا قبل النكبة، وتُدار بآلية ديمقراطية يشارك فيها سكان الأرض الأصليون، ويرى أن ذلك هو الطريق الواقعي والعادل لإنهاء الصراع (البيان الرسمي ليوم القدس، 2022).
العدالة لا الثأر: فلسفة التعامل مع ما بعد الزوال
يؤكد السيد الخامنئي أن المقاومة ليست دعوة للثأر بل هي تمهيد لإقامة العدالة. ويقول: “لسنا دعاة إبادة، نحن دعاة تحرير وعدالة. من يعود إلى فلسطين ليعيش سلميًا فله الحق، أما من تلطخت يداه بالدماء فعليه أن يحاكم” (خطبة الجمعة، طهران، 2010).
القدس ما بعد التحرير: قدس الإنسان لا قدس التوراة المحرّفة
يرى سماحته أن القدس ليست ملكًا لعقيدة دون أخرى، بل هي عاصمة روحية جامعة لكل الأديان السماوية، ويجب أن تُرفع عنها الصبغة التوراتية الصهيونية. ويشير إلى أن القدس بعد التحرير يجب أن تتحول إلى “رمز للوحدة الإسلامية والإنسانية” (الخامنئي، خطاب مؤتمر علماء فلسطين، 2018).
الإعلام المقاوم في معركة ما بعد الزوال
يؤكد السيد القائد على دور الإعلام المقاوم في ضبط الوعي الشعبي بعد النصر، ويدعو إلى إعلام يزرع الأمل لا الانتقام، ويعيد بناء الهوية الفلسطينية الأصيلة بعيدًا عن الإعلام المُطبِّع والمضلل (دروس الجهاد الإعلامي، مؤسسة الثورة الإسلامية، ص65).
التحدي الاقتصادي بعد الزوال: من التبعية إلى الاستقلال
يشير السيد الخامنئي إلى أن “التحرير يجب أن يكون شاملًا: تحرير الأرض والقرار والثروة”، ويؤكد على ضرورة وضع خطط اقتصادية لفلسطين المستقلة تضمن خروجها من التبعية للاحتلال ومنظومته (الخطاب الاقتصادي في رؤية المقاومة، معهد دراسات الثورة، ص139).
وحدة الأمة ما بعد الزوال: تجاوز القُطرية نحو المشروع الحضاري
في فلسفته، يعتبر سماحته أن زوال إسرائيل هو لحظة وحدة الأمة الإسلامية، لا فرصة لصراع عربي-فارسي أو سني-شيعي. وهو ينبه إلى خطر “اختطاف النصر من قبل النزعات القطرية” (خطاب لقاء النخبة الجامعية، 2021).
زوال إسرائيل ليس نهاية التاريخ بل بداية الحضارة
يختم سماحته رؤيته بقوله: “سقوط إسرائيل بداية عهد جديد لفلسطين والمنطقة… عهد العدالة والحق والكرامة” (خطاب يوم القدس، 2019)، وهذا يعكس فلسفة متكاملة ترى في ما بعد الزوال فرصة لصياغة حضارية جديدة قائمة على القيم الإسلامية.
في ضوء فلسفة السيد القائد الخامنئي دام ظله، فإن الحديث عن “إسرائيل بعد الزوال” ليس مجرد تحليل مستقبلي، بل رؤية متكاملة لبناء إنساني جامع يتجاوز فكرة الانتصار العسكري إلى بناء مشروع تحرري أخلاقي طويل الأمد، يعيد للمنطقة وجهها الإيماني والإنساني.




