آخر الأخبار
ألمقالات

حطب الانتظار

حطب الانتظار

كتب رياض الفرطوسي

وحدهم الذين تآكلت أعمارهم فوق رصيف محطات الشتات، يعرفون مرارة أن يكون المرء غريباً في ليله، يحمل حقيبةً مخذولة وذاكرةً مثقوبة. هناك، في “برد المحطات” الذي لم تصفه قصيدة كما وصفه ذبول العيون، تكتشف أن الوداع ليس تلويحة يد، بل هو صرخة طفل تضيع في زحام الرحيل، ولون أزرق بارد يصبغ نوافذ القطارات المندفعة نحو المجهول. نحن الذين خبرنا كيف تخبو الشمعة في مهب الريح، وكيف يطول صمت الطرق الخارجية حين يشق الباص صدر السهول، ندرك تماماً أن “حزن المواقد” البعيدة التي نلمحها من خلف الزجاج، هي جمر قلوبنا التي تركناها خلفنا ولم تنطفئ.

في تلك اللحظات، لا يرمم الروح سوى صوت ينسلّ من وجدان الأرض، كأنه نشيج مظفر النواب وهو يئن: “يا ريل طلعوا دغش.. والعشك جذابي “، أو ذاك النداء المذبوح للحمام المهاجر: “يا طيور الطايرة روحي لهلي”. إنها أغاني الغربة التي تحولت إلى هُوية لمن سُلبوا أمكنتهم، وأنين الذين يشتهون البكاء على صدرٍ يألفونه، هرباً من “قيامة الوحش” الذي استيقظ فجأة ليحطم حلمنا بنهاية عصر الغابة. لقد توهمنا أننا عبرنا إلى ضفة “الإنسان”، لكن الغابة عادت بآلياتها ونارها، لتعلن أن الدكتاتور ليس فرداً، بل هو عقليةٌ جمعية، وثقافةٌ رعيناها بتمجيدنا للأخطاء حتى صارت ديناً يُعبد.

إننا اليوم نواجه مصيراً عارياً، حيث الوطن “غزالٌ” ممزق بين أنياب ضباعٍ تتصارع على الغنيمة، وشعاراتٍ خادعة توهمنا بالدماء من أجل العراق، بينما هي لا تطلب سوى “الكرسي” الملعون. الخطر لم يعد في القادم من الخارج، بل في هذا “الوعي الشقي” الذي يحتفل باللصوص ويمجدهم ، وفي تلك الحاضنة الثقافية التي تنتج الطغاة كلما سقط واحدٌ منهم. لقد صار لزاماً علينا، نحن حراس الكلمة، أن نبرهن على قدرتنا على الرؤية في هذا “الديجور” الحالك، وألا نكتفي برثاء الخراب، بل نعلن صراحةً أن البلاد تنحدر نحو الهاوية ما لم ندفن “الوحشي” القابع في أعماقنا قبل أن ندفن موتانا.

لا خلاص لنا في “ديمقراطية الطوائف” ولا في “صالونات القبائل”، بل في ثورة فكرية تقلب التربة التي أنبتت هذا الفساد. الأمل الباقي، رغم سواد المشهد، هو في تلك الفسحة من التأمل؛ أن نزرع الحب في قلوب الناجين من المحرقة، ونعلمهم أن الحرية لا تمر عبر الاحزاب المنشطرة ، بل عبر العقول التي ترفض القيد. فات الأوان على العتاب، ولم يتبقَ لنا سوى أن ننهض من تحت الرماد، ونطرق أبواب النور بعناد، حتى لو لم نملك من الضوء سوى “أعواد الثقاب” التي نشعل بها أصابعنا لننير الطريق للآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى