آخر الأخبار
ألثقافة والفن

من يقرأ النقد العراقي؟! اشارة تحريضية | شوقي كريم حسن

من يقرأ النقد العراقي؟! اشارة تحريضية | شوقي كريم حسن

كاتب | عراقي

 

من يُعطِ النقد العراقي وقته؟ من يصغي إلى صرخاته أو يهتم بتحليل فننا أدبيًّا ومرآويًّا بدلاً من تمرير صور سريعة على شاشاتٍ معدومة العمق؟ السؤال ليس بلاغة بل اتهام: نقدنا يتهاوى لأنه لم يعد عضواً فعالاً في مجتمع القراءة، أضحى شِحنةً كهربائية تخترق فراغًا لا يقوى على المقارنة، على المحاججة، على الغضب البنّاء. النقد العراقي اليوم يشبه مبنىً مهجورًا في وسط مدينةٍ مهملة: جدرانه شاهدة على أمجادٍ سابقة، لكنه لا يملك من يفتح بابه ليلتئم حوله جمهورٌ يسأل، يختلف، يتعلّم.أصمت أولئك الذين ينبغي أن يتكلموا: الأكاديميون الصامتون، المثقفون المترفّعون عن الجمهورية، وصحافة الترفيه التي أخطأت طريقها إلى كتب الثقافة. وليس أقل من ذلك صمت القارئ العام الذي لم يُعوّد على مواجهة النص بمنطق النقد، بل اكتفى بالتعاطف أو بالتغريدة السريعة أو بالانفعال اللحظي. إن غياب قراءة النقد ليس مشكلة نصّية فقط، بل مرض اجتماعي وسياسي — مجتمع لا يعتاد النقد يفقد مرونته على التفكير، ويفقد الأدب نفسه قدرته على أن يكون مراياً صادقة.النقد العراقي فقد وضعيته لأنه سامٍ أو مُذعِن حسب الحاجة: سامٍ حين يتعلق الأمر بتقليد البلاغة الجامدة التي تُحكر النص داخل حقل المصطلحات الجامعية، ومُذعِن حين يتحول إلى أداة مدحٍ أو ذمٍ لمصالحٍ شخصية أو حزبية. النتيجة؟ بروزُ مقالاتٍ نقدية تكتب كما تُصاغ بيانات العلاقات العامة، ومختصراتٌ سريعة تُعلن حكمًا نهائيًا على عملٍ يستحق نقاشًا طويلاً. النقدُ لم يعد اختبارًا للنّفَس الأدبي، بل اصطفافًا خلف قنوات التأييد الإعلامي.التحجّر النظري قتل الحيوية. حين تصبح القوالب النقدية مقدسة، يتحول النقد إلى طقوسٍ داخل معبدٍ معتم؛ لا تفتح نوافذه ولا تستقبل الهواء. هنا يأتي دور الناقد الحقيقي: أن يتحوّل من حاكمٍ في قاعةٍ مغلقة إلى مرشدٍ في ساحة عامة، أن يضع النص في علاقته بالواقع لا أن يختزلَه إلى أثرٍ داخل قاعة تدخن فيها المصطلحات. النقد الذي يريد له الجمهور أن يقرأه، يجب أن يجرح، أن.” النقد الذي يخاف الحقيقة ليس نقدًا، بل مرآة مشروخة.ثم هناك سيل المحتوى الرقمي: مقالات قصيرة، فيديوهات مُصاغة لتُشاهد لا لتُقرأ. منصات التواصل لم تقتل النقد فقط، بل حوّلته إلى سلعة قابلة للتداول — صور لكتب، اقتباسات متناثرة بدون خلفية تحليلية، مراجعات بلا قصد نقدي. إن السطحية تتكاثر بسرعةٍ أعظم من عمق التفكير. أما البنية التحتية: دور النشر التي تُقبل على ربحية السوق، المسافات التي تفصل بين المثقفين والجمهور، غياب المساحات الثقافية المفتوحة — كلها تسهم في طمس حضور النقد.لكن لا تُعذروا الناقد فقط؛ فالنقاد مسؤولون أيضاً. كثيرون منهم تخلّوا عن الشجاعة النقدية وتحولت ألسنتهم إلى بوقٍ لخلافاتٍ داخلية أو لحماية أصدقاءٍ في الساحة. النقد بلا صدق يصبح مدحًا مشبوهًا، ومديحًا مشبوهًا يُنقِص من قيمة العمل نفسه. النقّاد الحقيقيون هم الذين يبنون جسورًا بين الكاتب والقارئ، بين النص والسياق، بين الحسّ والمرجع. إنهم من يجرؤون على قول ما يجب قوله، حتى لو قطعوه من اشتياقهم إلى ذواتٍ لا تريد أن تسمع.وثمة عامل آخر لا نحب الحديث عنه: الهجرة الثقافية. غياب المُثقف عن أرضه يُخلّف فراغًا لا يُعوّضه أي تغطيةٍ إلكترونية. عندما يفقد النقد امتداده الاجتماعي المباشر — المنتديات، اللقاءات، المهرجانات التي تجمع جمهورًا متحمّسًا — يتحوّل إلى خطاباتٍ متفرّقة لا تصل إلى قلب المجتمع. إكراهات الرقابة والرقابة الذاتية تلعب دورها أيضاً: نصوص تقرأ بخوف، وتحكّم في الخطاب حتى لا يؤلم أو لا يخلق صخبًا. لكن النقد الذي لا يؤلم ليس نقدًا؛ هو رتوشٌ للأسطح فقط.

نحتاج اليوم إلى نقدٍ يكسر الزجاج: نقدٌ يقرأ المجتمع قبل أن يقرأ النص، يضع العمل في منظوره التاريخي والسياسي، ويطرح سؤالًا أكبر من سؤال “هل العمل جيد؟” — السؤال يصبح: ماذا يفعل هذا العمل في زمانه؟ لمن يتحدث؟ ما الذي يكشفه ويخفيه؟ إن النقد الذي يتقدم الناس هو النقد الذي يتنفس وهموم الناس، ويمنح اللغة قوة لفهم هذا التنفس. كما قال إدوارد سعيد عن الغربةلنقدُ أيضاً منزوع عن بيئته يصبح حُرمًا من قوته.: من يقرأ النقد العراقي؟ من لا يقرأه الآن يمكن أن يبدأ. على الأهلية الثقافية أن تُبنى: عبر المدارس، عبر مقاربات تعليمية لا تقتل الدهشة، عبر صحافة ثقافية ترتدي ثوبًا يليق بالنقاش لا بالإعلان. على دور النشر والهيئات والمنصّات الثقافية أن تعيد الاستثمار في الحوار، لا في عرض الكتب كسلعٍ فقط. على النقّاد أن يتعلّموا كيف يُجادلون بلا خشونة فارغة، وأن يحسبوا لقارئٍ يريد أن يُفهم لا أن يُهان ببلاغةٍ جامدة.إذا استمرينا في تجاهلنا لبعضنا، سيبقى النقد العراقي همسًا في ردهاتٍ فارغة، بينما الأدب يتلوى في انتظار من يقتله أو يخلّصه. النقد الحقيقي لا يُقرأ لشهوة الضجيج، بل ليخلق مجتمعًا قادراً على تحمل الحقيقة — ولن تحيا حقيقة الأدب إلا بوقوف النقد الشجاع في وجه كل ما يُسهم في أذته.النقد العراقي ليس جثةً في متحف، لكنه جسدٌ يُحاول أن يتنفس وسط عاصفة من الإهمال. نحن نكاد نسمع شهقاته بين الكتب المركونة، بين مقالاتٍ لا تُقرأ، بين أصواتٍ فردية تصرخ في صحراءٍ بلا صدى. ما نحتاجه ليس بكاءً على الأطلال، بل قسوةً تنظّف المشهد: قسوة تُقصي المهادنين وتفضح الممالئين وتُحاكم الذين يكتبون “نقدًا” كما يُكتب إعلانٌ لمنتج تجاري. النقد العراقي بحاجة إلى من يصرخ: كفى!القارئ الذي يهرب من النقد، يهرب من مواجهة نفسه. من لا يقرأ النقد، لن يفهم الأدب إلا كزينة لغوية أو حكاية عابرة. والأدب بلا نقد يتحوّل إلى نهرٍ بلا ضفاف: يفيض لكنه لا يُرشد. لقد قال جورج لوكاتش ذات مرة: “الرواية هي ملحمة عالم بلا آلهة.” وإذا كانت الرواية كذلك، فإن النقد هو الكشاف الذي يقودنا في عتمة هذا العالم. حين نتخلى عن النقد، نتخلى عن أداة البصر، ونترك النصوص تتوه في ظلامها الخاص.

إن سؤال “من يقرأ النقد العراقي؟” لا يُطرح للترف الفكري. هو سؤال بقاء. لأن مجتمعًا يدفن نقده، يدفن عقله معه. النقد هو الجهاز المناعي للثقافة: من دونه، تتفشى الرداءة، وتنتشر البلادة، ويتحول الأدب إلى زينة على رفوف الحكومات أو زينة في مكتبات شخصية مغلقة. والنتيجة: فن بلا حياة، وحياة بلا حساسية.أدعو النقاد هنا — نعم، مباشرة ودون مواربة — إلى أن يخلعوا قفازاتهم. أن يكتبوا بأنياب لا بألسنة دبلوماسية. أن يعيدوا للنقد هيبته كسوط معرفي، كسلاحٍ ثقافي، كفضاءٍ لا يحتمل المساومة. أن يتوقفوا عن الثرثرة الأكاديمية الجوفاء، وأن يوجّهوا خطابهم إلى الناس، إلى القرّاء، إلى جمهورٍ عطشان لفهم لا لزينة. النقد إن لم يكن حادًا، صريحًا، جريئًا، فلن يُقرأ أبدًا.وفي المقابل، على القارئ أن يُعيد اكتشاف مسؤوليته. أن يتعلم أن القراءة ليست استهلاكًا بل مواجهة. أن يفهم أن النقد ليس خصومةً مع النصوص بل محبة عميقة لها، محبة تجعلنا نُحاسبها بصرامة كما نُحاسب أنفسنا. حين يقرأ القارئ النقد، فإنه يكتشف أبعادًا أعمق للنصوص، ويُعيد بناء صلته بأدبه وبثقافته. النقد لا يعيش إلا إذا وجد قارئًا شجاعًا.

من يقرأ النقد العراقي؟

الجواب يجب أن يكون: كل من لا يخاف من الحقيقة.وإلا، فلن يبقى لدينا أدب نعتز به، ولا فن نستند إليه، ولا ثقافة تحمي ذاكرتنا من الخراب..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى