آخر الأخبار
ألثقافة والفن

القرار الجارح | سمية زكي البطاط 

القرار الجارح | سمية زكي البطاط 

كاتبة وإعلامية | عراقية

 

“شادي” ليست أغنية تُسمَع، بل حالة تُعاش. ليست حكاية طفلٍ ضاع في الثلج فحسب، بل سردية كاملة عن الفقد حين يصبح الزمن عاجزًا عن الإرجاع، وحين تكبر الأصوات بينما يبقى الغائبون صغارًا إلى الأبد.

فيروز، كعادتها، لم تُسمِّ الأشياء بأسمائها الفجّة. لم تقل إن الحرب قتلت شادي، ولا إن الصراعات الدنيئة التهمته كما التهمت آلاف الأطفال. اختارت طريقًا أشد قسوة وأعمق أثرًا: الغناء. 

قالت بصوتٍ مجروح وهادئ:

«أن شادي… ضاع في الثلج».

وكأن الثلج هنا ليس طقسًا ولا فصلًا، بل برودة العالم حين يفقد إنسانيته، وسكون الموت حين ينافس فكرة الحياة.

تعاقبت السنوات في الأغنية كما تتعاقب في الواقع، بلا اعتذار. فيروز كبرت، صوتها نضج، حمل خبرة الفقد ووقاره، بينما شادي لم يكبر. بقي طفلًا في الغياب. وهذه هي الخسارة الأفدح: 

أن يكبر الأحياء وهم يحملون في داخلهم من لم يُمنح فرصة أن يكبر، أن يصبح الزمن شاهدًا ضدنا، لا لصالحنا.

شادي في الأغنية لا يعود، لكن حضوره لا يغيب. هو ليس مفقودًا بالمعنى البسيط، بل معلق في الذاكرة، تعرفه دون أن تراه، وتشعر به دون أن تملك اسمه الكامل. لذلك لم تقل فيروز إن الحرب قتلته، لأن القتل هنا أكبر من رصاصة أو قذيفة. هو قتل المكان والزمان والوجود، قتل المستقبل، قتل اللعب نفسه. وكأن شادي بقي يلعب على الثلج، لا لأن اللعب مستمر، بل لأن الحياة توقفت عند تلك اللحظة.

عبقرية فيروز في «شادي» أنها غنّت للضحية لا الجريمة. 

تركت للمستمع أن يفهم، أن يتألم، أن يُكمل الجملة الناقصة بنفسه. لم تُدن أحدًا صراحة، لكنها أدانت العالم كله ضمنًا. وحين لا تُقال الحقيقة مباشرة، تصبح أشد رسوخًا. تتحول إلى وخزٍ دائم لا يشفى.

«شادي» ليست عن طفل واحد، بل عن جيل كامل بقي في برودة الغياب.

 أطفال الحروب، المفقودون، الذين لم يُمنحوا ترف التقدم في العمر ولا أخطاء النضج. 

فيروز لم ترثِهم بصراخ، بل همست لهم. والهمس، حين يأتي من قلبٍ مجروح، يكون أعلى من أي خطاب.

لهذا، كلما كبرنا نحن، وبقينا نسمع “شادي” نشعر أن شيئًا ما في داخلنا لم يكبر أيضًا. طفل صغير، واقف على الثلج، ينتظر حياة لن تأتي، ويلعب… لأن اللعب آخر فعل له.

 “شادي” لا يقف وحده على الثلج، بل خلفه صفّ طويل من أرواح الأطفال الذين رحلوا بلا أسماء، بلا صور على الجدران، وبلا دقيقة صمت حقيقية. رحلوا كأرقامٍ باردة في نشرات الأخبار، وكأن الخسارة تفصيل جانبي لا يستحق التوقف. لم يشعر أحد بثقل غيابهم، لأن من جلسوا على عروش الحكم لم ينظروا إليهم يومًا كبشرًا، بل كفائض يمكن احتمال غيابه.

هؤلاء الأطفال لم تقتلهم الحرب وحدها، بل قتلتهم لامبالاة سلطات لا ترى في الإنسان قيمة، ولا في الحياة أولوية. سلطات شغلتها خرائط النفوذ، وحسابات المصالح، وكراسي لا تهتز مهما سقط تحتها الصغار. كأن العرش صار أعلى من أن يسمع بكاء طفل، وأقسى من أن يرتجف أمام جسدٍ صغير تجمّد على الثلج.

فيروز حين غنّت «شادي» كانت، دون تصريح، تضع إصبعها على هذا العار. كانت تقول إن الطفل لا يضيع صدفة، بل يُترك. يُترك لأن أحدًا قرر أن السلطة أهم من الحماية، وأن البقاء في الحكم أولى من بقاء الأطفال أحياء. لذلك بقي شادي طفلًا؛ لأن العالم الذي كان يجب أن يكبر فيه لم يكن عالمًا صالحًا للحياة.

 

وهكذا، كل شادي لم يعد، هو اتهام مفتوح. وكل ثلجٍ في أغنية هو صقيع الضمير حين تصمت الأنظمة، وحين تمر أرواح الأطفال بلا أدنى شعور بالخسارة، وكأن موتهم لم يكن سوى هامشٍ مؤلم في دفتر المصالح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى