خبير في السقوط | د. عبد الرحيم الشويلي

خبير في السقوط | د. عبد الرحيم الشويلي
قاص | عراقي
كان يجلس في زاويته المعتادة، زاوية لا تصلها الشمس ولا الأسئلة. قال للنادل دون أن ينظر إليه: “هات شايًا كالمعتاد” رد النادل: “بارد أم حار؟” ابتسم ببطء: “مثل حياتي.. فاتر.”
اقترب منه شاب، يبدو عليه شيء من الحماس الذي لم يُكسر بعد: “سمعتك تقول إنك صاحب خبرة.” أجابه بثقة واهنة: “نعم… خبرة طويلة.” “في أي مجال؟” نظر إليه ثم إلى الطاولة ثم إلى الفراغ بينهما: “في الاختيارات الخاطئة.”
ضحك الشاب: “وهل تفيد هذه الخبرة؟” أشعل سيجارته، وسحب نفسًا عميقًا، كأنه يستخرج الجواب من داخله: “تفيد في أن ترتكب الخطأ نفسه، لكن بثقة أكبر”
تدخل النادل وهو يضع الشاي: “وهل تغيرت يومًا؟” هز رأسه ببطء: “التغيير يحتاج أملًا وأنا أملك ذاكرة فقط”
ساد الصمت.. الشاب، وقد خف بريقه قليلًا، قال: “إذن ماذا تعلمت؟” أجابه دون تردد هذه المرة: “تعلمت أن الإنسان لا يسقط فجأةً بل يتدرب”
رفع الشاب حاجبيه: “يتدرب؟”
“نعم، كل خيبة تمرين. كل قرار خاطئ حصة إضافية. حتى تصبح محترفًا”
ابتسم الشاب ابتسامة مرتبكة، ثم غادر. بقي هو مع الشاي ومع الدخان ومع نفسه.
نظر إلى الكوب، لم يشربه. همس كمن يعترف لشيء لا يسمع: “المشكلة ليست أنني فشلت. المشكلة أنني صرت أجيد الفشل لدرجة أن النجاح صار يبدو لي خطأً”
وقف ببطء، ترك المال أكثر مما يجب هذه المرة. خرج وفي الباب تعثر. توازن لوهلةٍ كأن جسده تذكر النجاة صدفةً.
نظر إلى الأرض طويلًا ثم رفع عينيه نحو الفراغ. ابتسم ابتسامة خفيفةً لا تُرى بقدر ما تُفهم.
وترك نفسه. لا ليسقط بل ليعود إلى ما يتقنه!




