آخر الأخبار
ألثقافة والفن

قراءة في نصوص ايسوب | رجاء فرج

قراءة في نصوص ايسوب | رجاء فرج

كاتبة | عراقية

 

مع بداية الاهتمام بترجمة قصص الأطفال، لم يكن الأمر مجرد تجربة لغوية ، بل كان مدخلاً لاكتشاف نصوص سردية ومن بين هذه النصوص، برزت أعمال إيسوب بوصفها تجربة خاصة، لا تشبه غيرها ، ولا يمكن تجاوزها بسهولة. فقد وجدت في هذه القصص شيئاً يتجاوز الحكاية، فهي تعكس سلوك الإنسان، ولكن من خلال أصوات الحيوانات وحركتها.

لم يكن إيسوب كاتباً تقليدياً ، بل أقرب إلى حكيم يختصر الحياة في مواقف قصيرة، ويترك للقارئ مساحة للأكتشاف. فالحيوانات في قصصه لا تتكلم بشكل عشوائي ، بل تمثل طبائع بشرية واضح فنجد الأسد يمثل القوة والثعلب رمز للدهاء، والغراب يتردد بين الطموح والحسد، في مشهد قصصي محبب

وقد ازداد هذا الإحساس عمقاً وحباً في أسلوب ايسوب عندما بدأت بترجمة بعض هذه القصص ونشرها في مجلات الأطفال، حيث كان التفاعل معها لافتاً ، وكأن الطفل يدرك ما وراء الحكاية دون حاجة إلى شرح مباشر. وهذا ما جعلني أتوقف عند هذه التجربة، لا بوصفها نصوصاً للترجمة فقط، بل بوصفها مادة تستحق التأمل والدراسة.ولو عملنا مقارنة مع نماذج أخرى من الأدب القديم. فعند النظر إلى أعمال مثل كليلة ودمنة، التي نقلها عبد الله بن المقفع إلى العربية، أو الحكم المنسوبة إلى كونفوشيوس، وكذلك ما ورد في تراث الجاحظ، يتضح أن فكرة التعليم عبر القصة لم تكن حكراً على ثقافة واحدة، بل هي حاجة إنسانية مشتركة. غير أن ما يميز تجربة إيسوب هو هذا الاختصار في السرد، وهذه القدرة على قول الكثير بالقليل، دون أن تفقد القصة وضوحها أو تأثيرها.ويبدو أثر هذا الأسلوب في بعض النماذج التي قمت بترجمتها من حكايات إيسوب، اذ تظهر الفكرة الأخلاقية بشكل واضح في موقف بسيط

 ففي إحدى الحكايات، يُروى أن غراباً كان يعيش قرب سرب من الحمام، وكان يحسدهم على ما ينالونه من طعام ورعاية، فحاول أن يتشبه بهم، فغطّى نفسه بريش ملوّن وانضم إليهم، ونجح في خداعهم في البداية، لكنه ما لبث أن كشف نفسه عندما أطلق صوته الحقيقي، فهاجمه الحمام وطردوه، وحين عاد إلى جماعته، لم يقبلوه بسبب مظهره المختلف، فبقي تائهاً بلا انتماء. وتكشف هذه الحكاية، ببساطتها، عن فكرة عميقة تتعلق بخطورة التظاهر وفقدان الهوية، إذ لا يستطيع الكائن أن ينتمي إلى غير طبيعته دون أن يخسرنفسه

وفي حكاية أخرى، تقف شجرة قوية شامخة في وسط الغابة، تعتز بصلابتها وتتنمر على ما حولها من نباتات ضعيفة، غير أن عاصفة شديدة تهب، فتنحني الأعشاب لتتفادى قوتها، بينما تصر الشجرة على الثبات، فتنكسر وتسقط. وهنا تتجلى مفارقة لافتة، إذ تتحول المرونة إلى مصدر قوة، بينما تصبح الصلابة سبباً للهلاك، في درس يعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على التكيّف لا مجرد صلابة ظاهرة.

ما يلفت الانتباه في هذه القصص ليس مضمونها الأخلاقي التعليمي فحسب، بل الطريقة التي تُقدَّم بها، إذ لا تأتي على شكل موعظة مباشرة، بل تُترك النهاية لتستنتج ، ويُترك للقارئ أن يكتشف المعنى بنفسه. وربما في هذا يكمن سر تأثيرها، حيث يشعر الطفل بل وحتى القارئ البالغ أنه شريك في الوصول إلى الفكرة، لا مجرد متلقٍ لها.

وقد أشار عدد من الباحثين إلى هذه الخصوصية في أسلوب إيسوب، مؤكدين أن استخدام الحيوان كدلالة رمزية ويمنح القصة بعداً تربويا غير تقليدي، كما أن بساطة اللغة لا تعني سطحية الفكرة، بل قد تكون طريقاً للوصول إلى عمق أكبر دون تعقيد.

إن الغوص في هذه التجربة يكشف أن حضور إيسوب في أدب الأطفال لم يكن عابراً ، بل هو امتداد لفكرة إنسانية أوسع، تتمثل في استخدام الحكاية وسيلة لفهم العالم. ومن هنا، يمكن القول إن هذه القصص، على بساطتها، لا تنتمي إلى زمنها فقط، بل تظل قادرة على العيش في كل زمان، لأنها تخاطب المشاعر والقوانين الأخلاقية الإنسانية الثابته لا المتغيرات..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى