آخر الأخبار
ألثقافة والفن

الكاتبة النائمة | نجمة عمر علي كراتة

الكاتبة النائمة | نجمة عمر علي كراتة

كاتبة | تونسية

 

لستُ أشبههن،

أشبه نفسي في زمنٍ غريبةٌ فيه عن كل البشر،

منفيةٌ عن ضوضاء التصفيق وعن المنابر المكتظة بالعيون المشرئبة لحلقي الشادي، وكأنني عصفورة في قفصٍ كبير يسمح لي بالطيران ولا يسمح لي بأن أرتطم بحدوده لأكسره. أنا الكاتبة النائمة، أكتب ولا أُقال، أحلم ولا أُروى، وأعيش نصف حياةٍ بين ما أشعر به وما يُسمح لي أن أُظهره، في داخلي نصوصٌ تتزاحم وأصواتٌ تُنادي باسمي، لكنني أؤجلني كما يؤجل الليل انبثاق الفجر.

لستُ التي تنساك،

في خيلاء الوقت: نمت براعم الأحاسيس فأينعت زهرات اللوز، ومن بياضها تسرّب لون قلبك،

أتذكّرك جيدًا فلستُ التي تنساك،

أتذكر حين قطفتُ من السماء نجمةً لي ومن حديقة المدرسة وردةً صغيرة، وحين كتبنا فوق خشب الطاولة اسمي واسمك، كم كان عمرنا حينها؟

كنا في عمر الورد ننبعث كضوءٍ لا يعرف أنه يكتب بداية قصة حب لن تكتمل.

ويكتبُ فوق الطاولة بالطبشور اسمي بتاءٍ مفتوحة فأعرف أنه أنت.. لأنك لا تتقن رسم التاء في نهاية الاسم والفعل، فأبتسم لجمال الخطأ.

كنتُ مشاغبةً لا تهدأ وطول الطريق أتكلم ولا أسكت، وأنت تحمل حقيبتي وتستمع لأحلامي وتبتسم دون أن تتعب،

كنتُ أخبرك أنني أحلم أن أكون كاتبةً مشهورة، وكنتَ طفلًا بقلب رجل تبتسم بثقةٍ هادئة كأنك ترى ما لم أكن أراه بعد، تلك الثرثارة كانت جميلة قلبك وزهرة روحك.

ساعتك اليدوية التي أهديتني إياها في غفلة من الزمن كانت عقاربها متوقفة كأن الزمن في ذلك اليوم قرر أن ينسحب من بيننا، ما زلت أذكر جلدها البني الناعم حين أُحكمت على معصم يدي اليسرى وكأنها ختمٌ صغير لوقتٍ لا يريد أن يمضي..

كان كل البشر يضطربون حبًا لك وأنا وحدي كنت أرتجف من معرفة ما أشعر به…كنت طفلة ربما لا أصدق إلا كلام أمها.

 

أتذكر كل البطاقات البريدية التي خفت أن أعود بها إلى غرفتي وأتركها أمانة في محفظة صديقتنا المشتركة كأن مذكراتي لم تكن يومًا ملكي وكأن مشاعري تحتاج إذنًا كي تُكتب، القلم كان ذنبًا هكذا جعلوني أراه..

كنت أتألم في صمت.

ومع ذلك كتبتُ عنك كثيرًا وأخفيت دفتري تحت الفساتين القصيرة لكنهم وجدوه وقرأت عيونهم كل أسراري الصغيرة، كان حبك مكشوفًا أكثر مما ظننت بين ظني الساذج أنني أستطيع التمرد على عاداتهم وتقاليدهم.

 

حين كنت أخاف النظر إلى عينيك كنتُ مجرد طفلة تُنهر من أجل الحب، لكنني لا أنسى أنك قلت إنك مغرم بلون عيني وأنك كنت تفكر في تقويم أسناني أيضًا، كان ذلك مضحكًا،

كنت أسمعك وأنت تقول ذلك فأبتسم..

كنت تقول إنني فاتنة ولا يعجبك اصطفاف أسناني، وأنا لا أجادلك لأنني كنت أحبك…ولأن أبي كان يرفض تقويم أسناني…

 

أحبك؟ ربما كنت وربما مازلت…

هل ما زلت تتذكرني؟

 

أعلم أنك اليوم أبٌ وأن الحياة رتّبتك بعيدًا عني كما تُرتّب الكتب على رفوف لا نصلها، وأنا أيضا أصبحت أما .. لكنني أعرف أنك حين تمرّ بي الآن تبتسم، وحين أكتب عنك أبكي. لست متأكدة إن كنت نسيت صوتي وأحلامي لكنني متأكدة أنك يومًا ما كنت تحبني.

 

كم مضى منذ آخر مرة بكينا فيها على حبٍ لم يكتمل؟

كان آخر يوم بين صفوف الدرس وكان الطقس خارقًا وقلبانا أضعف من قسوتهم علينا..

انتظرتك في ذلك اليوم كما وعدتني لكن العالم كله حضر إلا ما كان يجب أن يأتي، كانت الأعذار كثيرة وصدّقتك ..

ثم مرّ يوم ولم تأتِ..

ومرّ آخر ولم تأتِ..

ومضيتُ وحدي مع الأيام.

كان يجب أن أنتظر قليلا بعد…لأنك وبعد الموعد فعلا أتيت ..

ولكن بعد فوات الوقت…

لقد أتى.. وانتهى الأمر.

 

حاولتُ العثور عليك مرارًا، حاولتُ البكاء بين يديك، تمنّيت لو أخفيتُ وجهي بين أضلعك، كم كان عمري يوم اقتنعتُ أن الحب ليس ذنبًا؟ ويوم لم تغب عني لحظة فهمتُ أنك أحببتني وأنك ربما نسيتني.

ولكن من أنت أيها الضائع من سطور حياتي والحاضر فوق سطور نصوصي؟

هل أنت الذاكرة التي لم تُغلق ؟

أم الجملة التي نسيتُ أن أنهيها فبقيت مفتوحة في صدري؟

 

ما زلت أذكر الرسالة التي كتبتها ونسيتها في جيب بنطالك فسقطت بين يدي غيري وكأن العالم كله قرر أن يقرأني دون إذني، أنا الآن لا أكتبك لأعيدك بل لأتأكد أنني كنتُ حقيقية حين أحببتك، أنا الكاتبة النائمة أكتبك وأنتظر أن أستيقظ منك.

نصوصي كانت ترمم كسري وتعرف الكثير عني وعنك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى