آخر الأخبار
ألثقافة والفن

مرحـلة الأرواح الـمتحابة.. غوص في الموروث واستنطاق للأجساد الإنسانية بطريقة غرائبية: (أردية الجسد للكاتب محمد الحفري أنموذجاً) | ريم محمد

مرحـلة الأرواح الـمتحابة.. غوص في الموروث واستنطاق للأجساد الإنسانية بطريقة غرائبية: (أردية الجسد للكاتب محمد الحفري أنموذجاً) | ريم محمد

ناقدة | سورية

 

الحب علامة إنسانية تميز البشر باختلاف جنسهم “ذكر أو أنثى” في البوح والتعبير،وفكل العشاق كانوا يحلفون الأيامين بلغاتهم للاستمرارية وبخاصةً عندما يبلغون أقصى درجات العشق.

هنا في هذه السردية نناقش “الأبد” من منظور موروث اجتماعي أو ديني بالتزامن والارتباط مع حبكة روائية متصاعدة قشرتها قصة حب وعمقها تفرعات تجمع تشظيات زمنياة بقالب اجتماعي وإنساني.

 

عن الرواية:

أردية الجسد “القميص الجسدي” عند بعض الأديان هي سردية عن الإنسان كتبها الروائي والأديب محمد الحفري تقع في ١٢٢ص، صادرة عن “دار توتول للنشر”، صممت الغلاف الفنانة “ناديا داود”. تناقش هذه الرواية قصة حب خالدة مستمرة باختلاف الأجناس “ذكر أو انثى”، الأمكنة “العراق وفلسطين وسورية وغيرها”، واختلاف الحقب الزمنية “ماقبل الإسلام ثم الاسلام”، واختلاف الأديان “الأديان الثلاثة إسلام ويهودية ومسيحية”، فلا فرق بين الأرواح المتحابة، الحب خالد ومستمر مادامت الروح تتنقل بين الأجساد.

حالة التقمص بوصفها ثيمة تمت مناقشتها في العديد من الروايات والكتب وذكرت في التاريخ، كما وقد احتفظ بها في تعاليم بعض الأديان والمذاهب لاستمرارية وتبديل قميص الجسد…

فما المميز هنا؟

عالجت السردية اختلاف نوع الجسد الذي تسكنه هذه الروح ففي حياةٍ سابقة تكون ذكراً بينما في حياةٍ أخرى قد تصبح أنثى وهذا هو الاختلاف المعمول عليه في هذه الرواية.

“المنتشل أو موسى أو ابنة قائد الجند أو….” هي أجساد عبرتها روح من تلك الأرواح ارتبطت بمن تحب بوثاقٍ أبديّ استمر عبر الأزمان والأمكنة على الرغم من الطعنات…

“ليليان أو ليلى أو معاني او….” أجساد سكنتها أيضا تلك الروح الأخرى والتي ارتبطت برباط الحب الأزلي مع سابقتها.

الجامع الحب وحده والمفرق الموت أو الغدر لتفنى الأجساد وتستمر تلك الأرواح المحلقة المنتشية بالعشق تبحث عن نظيرها.

 

ظاهر النص:

المنتشل هو طالب انهى امتحان الشهادة الثانوية لعائلة من الجنوب السوري متوسطة الحال وكغيره من الشبان يقرر السعي لتحسين ظروفه ومساعدة أهله متوجها إلى الشام قبلة كل شخص يبغي الانطلاق، في رحلته تلك يكتشف عوالم جديدة بالاضافة لعمله، حيث يخرج من الريف للمدينة ماراً بكل فصول تلك النقلة، يحب “محبوبته السابقة من حياة سابقة” ويتذكر ذلك ويتذكر أنه كان انثى وهي كانت الذكر” معالجة غرائبية لبطل من الحياة الاجتماعية التقليدية وهذا المزج الحكائي يذكرنا بحكايات “ألف ليلة وليلة”.

 

دمج الاسطورة بالموروث بالتاريخ بالواقع:

لابد أن يكون الكاتب عارفاً وقارئاً ومخضرماً ليستطيع التلاعب بشخوصه بهذه الطريقة وربط الخيوط لتصل إلى ماوصلت إليه.

فالحكاية موجودة منذ القدم، تحتاج لمن يسردها بروحٍ أخرى وكان هذا محمد الحفري الذي أثبت براعته في تحويل الحكاية إلى رواية حمّلها من فكره أحياناً “التسامح بين الأديان وغلبة الإنسانية والحب والابتعاد عن التكفير” والمتعة الوجدانية بمتابعة قصة حب ناعمة بين شخوص الرواية.

يقول: “أشعر في كثير من الأحيان أن رجال الدين والوعاظ والمرشدين وغيرهم يتشابهون في كل الأمكنة والأزمنة، رجالٌ على اختلاف مشاربهم يتفقون على إخافة البشر من الإله الذي سيقبض عليهم يوماً، وسيذيقهم كل صنوف العذاب، إله رهيب صوّروه على شاكلتهم وكأنه أوجد الإنسان ليعذبه فحسب، وتناسوا أنه الخير والحق والجمال المطلق…” ص٦٢

 

الرمزية:

استعمل الحفري الرموز أحياناً لتغليف سرديته من جهة، وتحميلها ما أراد أن يقول من جهة أخرى.

الأعور هو ذاته ذلك الذي كان يفرّق بين الحبيبين بقصد أو من دون قصد، قبل الاسلام عندما كان عبداً فأعمل رمحه في صدر المحبين الهاربين، وبعد الإسلام أعمل رمحه في صدر الوالد والوالدة.

الساحرة أو صاحبة الحكايات الموجودة في التراث وفي مختلف الثقافات الإنسانية، تنجّم أحياناً وترى في أحايين أخرى مالايراه غيرها “مريم السعد”

يقول على لسان مريم “هذا الولد مملوء بالحكايات، دعوه يحكي لكم…” ص٧٦

 

المعلومة التاريخية:

اعتمد الحفري على معلومات تاريخية وآثارية ليؤثث لفكرة إنسانية عريقة “الحب والتسامح” ولو أنه ألبسها لبوس الغرائبية في بعض الأحيان “اختفاء ليلى منذ عشر سنوات” ثم رؤيتها كحمامة.

 

نصاعة الفكرة:

يحسب للكاتب خوضه غمار الموروث وأحيانا أيديوجية الفكرة وطرائق بعض الأديان الغنوصية، لابل وتعمقه بالفكرة أكثر والبناء عليها، حيث شكلها كما يريد بأن ألبسها لباس الأسطورة “تبديل أجناس المتقمصين”.

لغة الرواية سلسة محملة بالعواطف ومشوقة تجعل المتلقي في حالة لهاث متواصل وهو يطرح سؤاله ثم ماذا إلى أن ينتهي وهذه مقدرة وخبرة لدى الكاتب.

 

 

الأمكنة:

تفور الرواية بوصف دقيق محبب للأمكنة، وبخاصة البيئة الشامية ببيوتاتها وبحراتها وأسقفها،ثم بياسمينها وطرقاتها الضيقة، ووصف للمأكل والمشرب ولكن كل بحسب توظيفه أو دوره في الحدث أي دون إسهاب، فيكفي أن نعرف أن الأعور أبو عرب هو ذاته الأعور عوسج من حياة سابقة، “تغير اللون من الأسود للأبيض”.

 

إنصاف الإنسان الريفي:

حيث يبدو الكرم والتسامح والمحبة سمة التصقت بالمنتشل وبالثرثار وكل من حضر من الريف.

 

الحبكة ونجاعتها وملائمتها للفكرة:

اعتمد الحفري على أسلوب الاستذكار والتداعي الزمني بالإضافة لومضات تأتي كالحلم لتجمع خيوط الرواية وشخوصها وتقدمها بلبوس أقصوصة ميزت ماء السرد وربطتت الحقب باختلافاتها وأحداثها “حروب وصراعات” وأزمنتها وأديانها وهذا كله دعم الفكرة ولمعها.

فالحب لايعرف ديناً ولاجنساً ولالوناً ولا مذهب، بل هو مستمر طالما الروح موجودة وتتنقل بين الأجساد المختلفة المتحابة.

عمل سردي إنساني رومانسي يتعمق بالموروث بقالب حكائي، باحثاً في خبايا الذات الإنسانية والروح المحبة في رحلة انعتاقها مروراً بحيواتها والتي تربط فيما بينها “المحبة والتسامح والعطاء”.

رواية مختلفة تعلق طويلاً بالذاكرة وتضيف للمكتبة العربية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى