آخر الأخبار
ألثقافة والفن

بين ضفّتين.. حوار لا يُرى | مروة رضا

بين ضفّتين.. حوار لا يُرى | مروة رضا

كاتبة | مصرية

 

كانت ليان تعرف أن هذه الليلة ليست كغيرها.

لم يكن في الأمر حلمٌ عابر، ولا استدعاء عاطفي عادي… كان شيئاً أعمق، كأن روحها وصلت إلى حافة لا تُرى، حيث لا يعود العالم كما هو، ولا الغياب كما اعتادت فهمه.

 

جلست وحدها، لكن الوحدة هذه المرة لم تكن فارغة… كانت ممتلئة بحضورٍ غريب.

 

قالت بصوت خافت، كأنها تخشى أن يتبخر إن ارتفع:

 

“أمي… إن كان بيننا خيطٌ واحد لم ينقطع، فلتُمسكي به الآن”

 

سكون… ثم صوت تعرفه جيداً، لا يأتي من الخارج، بل من مكانٍ لا يمكن أن يخطئها:

“أنا هنا يا ليان… لم أكن يومًا بعيدة، أنتِ فقط من اقتربتِ أكثر”

شهقت ليان، وكأنها اصطدمت بحقيقة لم تكن مستعدة لها:

إذًا كنتِ ترين؟

ترين كل ما حدث لي بعدكِ؟

 

الأم:

كنتُ أراكِ… وأرى كيف كنتِ تحاولين أن تكوني أنا… دون أن تعرفي كيف.

 

أغمضت ليان عينيها بقوة، وقالت بمرارة:

كنتُ أحاول أن أكون طيبة… كما علمتيني.

لكنهم… لم يكونوا كما قلتِ.

 

ماذا فعلوا؟

 

ضحكت ليان… ضحكة قصيرة، لكنها ممتلئة بشيء أقرب للبكاء:

ماذا لم يفعلوا؟

خذلوني يا أمي… واحدًا تلو الآخر.

كأنني كنتُ اختبارًا لفشلهم في أن يكونوا بشراً.

 

اهدئي… واحكي.

سكتت لحظة… ثم انفجرت:

كنتُ أُعطيهم كل شيء!

وقتي… اهتمامي… دعمي… حتى صمتي كنتُ أقدّمه لهم كراحة.

وفي اللحظة التي احتجتُهم فيها… اختفوا.

لا عذر… لا تفسير… لا حتى خجل.

 

وهل طلبتِ منهم البقاء؟

 

لا… كنتُ أظن أن من يحب… لا يُطلب منه أن يبقى!

 

“وهذا ظنكِ… لا التزامهم”

 

تصلّب صوتها:

لا تُدافعي عنهم!

“أنا لا أدافع… أنا أُعيد لكِ زاوية الرؤية”

 

سقطت دمعة… لكنها لم تمسحها:

أتعلمين ما الذي كسرني؟

ليس رحيلهم… بل طريقتهم.

كأنني كنتُ شيئًا يمكن إطفاؤه… بضغطة واحدة.

 

وهل انطفأتِ؟

ترددت ليان… ثم قالت بصوت منخفض:

لا… لكنني تغيّرت.

وأخاف أنني تغيّرت للأسوأ.

 

كيف؟

لم أعد أثق بسهولة.

لم أعد أندفع.

أحسب كل كلمة… كل خطوة… كأنني في معركة.

 

وهذا يُزعجكِ؟

هذا ليس أنا!

بل أنتِ… لكن دون أوهام.

 

صمتت ليان، وكأن الجملة أصابتها في مكانٍ حساس:

كنتُ أرى فيهم شيئاً… غير موجود.

 

كنتِ ترين ما فيكِ… لا ما فيهم.

 

إذًا أنا المخطئة؟

 

أنتِ المسؤولة عن رؤيتكِ… لا عن حقيقتهم.

 

رفعت صوتها، للمرة الأولى بحدّة صريحة:

لكنهم استغلّوني!

 

استغلّوا ما لم تضعي له حدوداً.

 

لم تُعلّميني الحدود!

 

“علّمتكِ القيم… والحدود تُصنع حين تُهدد تلك القيم”

 

ارتبكت… كأنها تسمع درساً متأخراً:

كنتُ أظن أن الطيبة كافية…

 

الطيبة بلا وعي… تُرهق صاحبها فقط.

 

كنتُ أُسامح بسرعة…

 

لأنكِ كنتِ تخافين الفقد… لا لأنهم يستحقون.

 

توقفت… هذه المرة طويلاً.

ثم قالت بصوتٍ خافت، كأنها تعترف:

“نعم… كنتُ أخاف أن أبقى وحدي”

 

والآن؟”

 

نظرت حولها… لم يكن هناك أحد، ومع ذلك لم تشعر بالفراغ كما توقعت:

الآن… أنا وحدي.

لكن… لستُ خائفة كما كنت.

 

لأنكِ اكتشفتِ أن الوحدة… ليست دائماً خسارة.

 

بل أحيانًا نجاة…

قالتها ليان ببطء، كأنها تتذوق المعنى لأول مرة.

 

الأم: ماذا تعلّمتِ منهم؟

 

ابتسمت ليان ابتسامة متعبة، لكنها صادقة:

تعلّمت ألا أُعطي بلا وعي.

ألا أُصدّق كل من اقترب.

ألا أُفسّر الصمت دائماً على أنه راحة… أحياناً هو تجاهل.

 

“وأكثر شيء؟”

أنني… لستُ مسؤولة عن بقاء أحد.

ومن يريد الرحيل… سيجد ألف طريقة، حتى لو كنتُ كاملة.

 

هدأ الصوت من الطرف الآخر، كأنه يطمئن:

“الآن بدأتِ ترين”

 

اقتربت ليان من ذلك الإحساس، كأنها تخشى أن يختفي:

أمي… هل تعرفين؟

أنا لم أعد أريد أن أكون كما كنت.

 

وهل هذا يُحزنكِ؟

قليلاً…

لكنني أيضًا فخورة.

لأنني نجوت… دون أن أتحول إلى نسخة قاسية.

 

“وهذا أصعب ما في الرحلة”

 

شعرت ليان أن الصوت يبتعد… فارتبكت:

لا تذهبي الآن يا أمي… ما زال لدي كلام.

 

“قولي ما تبقى… لنفسكِ هذه المرة”

أغلقت ليان عينيها، وكأنها تواجه نفسها أخيراً:

أنا لم أُهزم…

أنا فقط… كنتُ أتعلم بطريقة مؤلمة.

كل خذلان… كان يعلّمني أين أضع قدمي.

وكل انسحاب… كان يفتح لي بابًا لم أكن أراه.

 

فتحت عينيها ببطء… لم يعد هناك صوت.

لكن الغريب… أن الصمت لم يكن مخيفًا..كان واضحاً.

 

جلست ليان، واستقامت… كأنها تخرج من معركة، لا من حلم.

وللمرة الأولى منذ وقتٍ طويل، لم تفكر في من خذلوها…

بل فكرت في نفسها.

 

وفي داخلها، كان صوت أمها لا يزال موجوداً…

لكن هذه المرة، لم يكن ليُجيبها…

بل ليُذكّرها أنها صارت تعرف الإجابة.

بإنها لم تكن كما كانت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى