اخوات كان في الميزان الفلسفي: الفعل (صار) خارج العائلة | حيدر الأديب

اخوات كان في الميزان الفلسفي: الفعل (صار) خارج العائلة | حيدر الأديب
ناقد وباحث | عراقي
في الدرس النحوي العربي استقرّ تقليدٌ يضع “صار” ضمن أخوات “كان”، كأنّ الأفعال جميعًا تنحدر من نَسَبٍ واحد. غير أن هذا الإلحاق ينهض على معيارٍ شكلي يخصّ الإعراب، ويترك المعنى العميق يتفلّت من القبض. هنا يبدأ السؤال: هل يكفي تشابه العمل الإعرابي كي نُسوّي بين فعلين تختلف طبيعة كلٍّ منهما في بناء المعنى؟
حين نقول: كان الطينُ طينًا، نحن أمام تثبيتٍ لحالة، تقريرٌ يُعيد الشيء إلى نفسه داخل زمنٍ ما. الجملة لا تتحرّك، لا تُنتج حدثًا، إنما تُمسك الشيء في وضعه. أمّا حين نقول: صار الطينُ إبريقًا، فالكلام لا يثبت حالة، بقدر ما يفتح مسارًا؛ يدخل الزمن بوصفه تحوّلًا، ويُدخل الحدث في صلب العلاقة بين الاسم والخبر. هنا لا تعود الجملة تعريفًا، تصبح حكاية تشكّل.
هذا الفرق يمسّ طبيعة الحكم ذاته. في الأولى، الخبر يُفهم بوصفه محمولًا على موضوعه داخل أفق الثبات. في الثانية، الخبر يُفهم بوصفه مآلًا نتج عن عملية. لذلك فإن حذف “صار” لا ينتج جملة مكافئة، بل يُسقط البنية كلها: الطين إبريق جملة تُسوّي بين جوهرين، وتُلغي الطريق الذي جعلهما يلتقيان. “صار” ليست زيادة يمكن نزعها، ولا تدخل على جملة أصلها مبتدأ وخبر صار هي الشرط الذي يجعل القول ممكنًا من غير تناقض.
إذا استعرنا التمييز الذي صاغه أرسطو بين المادة والصورة، ظهر موقع “صار “بوصفه الوسيط الذي ينقل المادة إلى هيئة جديدة من غير أن يذيبها في تلك الهيئة. الطين مادة، والإبريق صورة؛ بينهما فعلُ تشكّل، لا مساواة. الجملة العربية، عبر “صار”، تُحافظ على هذا الفرق: تُخبر عن انتقال، لا عن هوية. ومن ثمّ، فخبر “صار” ليس خبر تعريف، هو خبر صيرورة.
هنا يتبيّن موضع الالتباس في التصنيف النحوي. النحاة جمعوا “كان” و“صار” لأن كليهما يرفع الاسم وينصب الخبر. معيارهم إجرائيّ، يخصّ توزيع العلامات داخل الجملة. غير أن هذا المعيار يساوي بين بنيتين مختلفتين في عمقهما: بنية تثبيت، وبنية تحوّل. النحو، في صيغته المدرسية، يكتفي بوظيفة الربط، ولا ينفذ إلى طبيعة العلاقة التي ينسجها الفعل بين طرفي الإسناد.
القول إذن: “صار” من أخوات كان إعرابًا، عبارة صحيحة في حدودها التقنية. غير أن هذه الحدود نفسها تُنتج لبسًا حين تُنقل إلى مجال المعنى. “كان” تُدير علاقة داخل زمنٍ أو حال، و”صار” تُدير انتقالًا يُنشئ زمنه الخاص. الأولى تُمسك الشيء في وضع، والثانية تدفعه نحو صورة. الأولى تُخبر، والثانية تُحوِّل.
من هنا تنشأ ضرورة إعادة ترتيب الباب على أساس دلالي: أفعال تثبيت الحالة في جهة، وأفعال التحوّل في جهة أخرى. في هذا الأفق، تأخذ “صار” مكانها الطبيعي ضمن أفعال الصيرورة، لا بوصفها تابعًا لغيرها، بل بوصفها مركزًا لفكرة الانتقال داخل اللغة. هذا التفريق لا يُبطل النحو، إنما يُنقذه من التعميم، ويمنح الجملة العربية دقّةً أعلى في تمثيل ما يحدث للأشياء لا ما تكونه فحسب.
الخلاصة التي أتبنّاها: إلحاق “صار” بأخوات “كان” إجراءٌ تعليميٌّ مفيد، غير أنه لا يفي بحقّ الفعل في بنيته الدلالية. “صار” ليست أداةً تُكمّل جملة، صار هي فعلٌ يُنشئ جملة من نوع آخر، جملةٍ يكون معناها حركةً لا تعريفًا، وتكون حقيقتها طريقًا لا نتيجة. بهذا المعنى، تقف “صار” خارج العائلة، وتُعيد إلى اللغة قدرتها على قول التحوّل من غير أن تُساويه بالهوية.




