في تأويل الغياب: قراءة عاشقة في نص (في انتظار قيامة اللاشيء) للشاعرة دنياس عليلة | مراد اللحياني

في تأويل الغياب: قراءة عاشقة في نص (في انتظار قيامة اللاشيء) للشاعرة دنياس عليلة | مراد اللحياني
ناقد | تونسي
ليس سهلاً أن تقف أمام نص يضع “اللاشيء” في موضع القيامة، ويجعل من الانتظار طقساً بلا ضمان، ومن العشق فقهاً خارج كل الطقوس. منذ العتبة الأولى، يغري العنوانُ القارئَ بسؤال لا يهدأ: كيف يقوم اللاشيء؟ وما هذه القيامة التي لا تنتظر امتلاءً، بل تنتظر انبلاج العدم في صورة حدث؟ إنه تأسيس لرؤية تعكس علاقة الإنسان المعاصر بالمطلق: علاقةٌ لا تقوم على اليقين، بل على الترقب الذي يستهلك غايته في مدِّه. حين نقرأ نص “في انتظار قيامة اللاشيء” للشاعرة التونسية دنياس عليلة، لا نجد أنفسنا أمام قصيدة بالمعنى التقليدي، بل أمام محاولة لتأويل الذات والكون من خلال استنطاق الرموز الدينية والصوفية، وإعادة صوغها في لغة تعرف كيف تكون جادة حتى في سخريتها، وكيف تكون منحنية حتى في تمردها.
ما يلفت نظري أولاً، وأنا أتأمل هذا النص، هو طريقة اشتغاله على الضمائر. فالضمير المذكر يهيمن على أجزاء كبيرة منه: “أَتَوْا إِلَيْهِ”، “تَيَمَّمَ”، “أَطِلِ السُّجُودَ”، “امْضِ”، “ارْفَعْ”. ثم في الختام يظهر ضمير المتكلم المؤنث من خلال “حُضْنِي”، وكأن الأنثى التي كتبت النص اختارت أن تتوارى خلف أقنعة ذكورية، أو أن تتحدث عن تجربة تتجاوز التعينات البيولوجية. هذا التداخل في الضمائر لا يبدو لي حيلة بلاغية باردة، بل هو مؤشر إلى أن التجربة العرفانية التي يخوضها النص لا تعترف بالانقسامات الجامدة: القديس قد يكون فاقداً للجنس، والمعتكف قد يكون ظلاً، والملعون النبيل قد يكون امرأة تخفي وجهها وراء صيغ التذكير. إنه انثيال الهوية، أو ما يمكن تسميته بفناء الذات في درجات الغياب، قبل أن تعود إلى التيمم بحضن الأنثى.
من اللافت أن النص يبدأ بصورة الدراويش الذي “أَتَوْا إِلَيْهِ بِكُلِّ السَّمَاوَاتِ”، وهو “لَا زَالَ يَلْعَنُ الْمَطَرَ”. لعنة المطر مشهد قوي: المطر في التراث الديني رمز الرحمة والفيض، ولعنه يعني رفضاً لهذه الرحمة، أو رفضاً للصورة النمطية للإله الممطر. لكن لعنة المطر تقابلها مباشرة “تَيَمَّمَ صَعِيداً طَيِّباً”. التيمم بالصعيد الطيب هو طهارة بالتراب بدلاً من الماء، وهو في الفقه الإسلامي رخصة عند عدم وجود الماء أو العجز عن استعماله. لكن النص يحوّل هذه الرخصة إلى فعل اختياري، بل إلى تفضيل: التراب الجاف هنا خير من المطر الذي يأتي من سماء لا تستجيب، أو سماء أنزلت قطراتها على غير موضعها. وهنا أتوقف عند كلمة “آنَاءَ التَّوْقِ”، فالتيمم لا يحدث في أوقات الصلاة المفروضة، بل في “آناء التوق”، أي أوقات الشوق، مما ينقل الطقس من دائرة الإلزام إلى فضاء الرغبة. والجملة الأخيرة في المقطع “أَطْرَافَ النَّهَارِ” توحي بأن هذه الأوقات هي أطراف النهار حيث يتداخل الضوء والظلام، حيث يختلط الحضور بالغياب، تماماً كما تختلط في النص الطهارة باللعنة.
عندما أقرأ هذا المقطع الأول، أتذكر تجارب بعض المتصوفة الذين كانوا يرفضون الكرامات والمعجزات لأنها تحجب المقام، أو لأنها تأتي من “سماء” لا تتفق مع حقيقة الفقر الروحي. لكن الشاعرة تذهب إلى أبعد من ذلك: لعنة المطر هنا ليست مجرد رفض للخوارق، بل هي إعلان أن السماء التي تمطر لا تستحق الثقة، وأن الأرض، التراب، الأصل المنسي، هو الأصدق تعبيراً عن حالة الإنسان. غير أن هذا التراب ليس تراباً عادياً؛ إنه “صعيد طيب”، أي طاهر، مما يضفي عليه قداسة مضادة، قداسة تنشأ من رفض القداسة الموروثة.
يتوالى النص بمشاهد متقطعة، تشبه ومضات الرؤيا أكثر من كونها سرداً. في المقطع الثاني نجد التحول إلى فعل الأمر: “أَطِلِ السُّجُودَ فِي سَاحَاتِ الْقَلْبِ الْعَتِيقَةِ”. السجود هنا لا يكون في مسجد، بل في ساحات القلب، والقلب ليس عضواً فقط، بل فضاء رمزياً تتسع له كل الساحات. وإطالة السجود توحي بتحول السجود من حركة محدودة الزمن إلى هيئة وجودية دائمة. ثم يأتي الأمر “امْضِ خَفِيفاً إِلَى حَصِيرَةٍ مِنْ نَشِيجِ الْأَوَّلِينَ”. حصيرة النشيج توحي بمكان للصلاة أو للاعتكاف، لكنه مصنوع من بكاء الأوائل، أي من تراثهم الحزين. تنفض عنك “أَغْبِرَةَ عَواطِفٍ عَاصِية” – الأغبرة هنا جمع غبار، أي ما يعلق من شوائب المشاعر التي تمرّدت أو خرجت عن السيطرة. هذا التطهير بالانتقال إلى حصيرة النشيج يشبه تحولاً من فوضى العواطف إلى نظام الحزن الطقسي.
لكن المفارقة أن النص لا يستقر عند هذا النظام؛ بل ينتقل إلى حالة أشبه بالهذيان الصوفي: “كَمَلْعُونٍ نَبِيلٍ ارْفَعْ أَوْزَارَكَ وَأَنْتَ تَصْعَدُ دَرَجَاتِ الْغِيَابِ”. الملعون النبيل صيغة تجمع بين الإهانة والنبل، مثل كثير من الشخصيات الصوفية التي اتهمت بالزندقة أو الكفر. رفع الأوزار (الذنوب أو الأحمال) أثناء الصعود في درجات الغياب يشبه صعود المعراج، لكنه صعود إلى الغياب لا إلى الحضور. ثم تأتي الأفعال المتتالية: “تُبَسْمِلُ.. تُحَوْقِلُ تُنَاجِي تُنَادِي تَنْتَحِبُ مُنْشَرِحاً تَضْحَكُ سَاخِطاً مَغْشِيّاً عَلَيْكَ”. هذه الأفعال لا تتبع ترتيباً زمانياً، بل تكثف لحظة انفجار الذات بين الطقوس اللفظية (البسملة والتحويقل) والحالات الوجدانية (الانتحاب والضحك والسخط). والمغشي عليه هو الذي يفقد وعيه، وهي حالة تشبه الفناء الصوفي، لكنها هنا تترافق مع صورة ساخرة: “كَمَا لَوْ أَنَّكَ تُسَايِرُ ظِلّاً مَعْتُوهاً صَيَّرْتَهُ مَلَاكاً يُسَجِّلُ حَسَناتِ الْخُطَى”. الظل المعتوه الذي يتحول ملاكاً يحمل سخرية من فكرة الملائكة المسجلين للأعمال، وكأن عملية التسجيل نفسها لا تقل عبثية عن مصاحبة ظل مجنون. ثم تأتي الأرقام: “حَسَنَةٌ حَسَنَتَانِ حَسَنَةٌ ثَالِثَةٌ سَيِّئَةُ السُّمْعَةِ تُطِلُّ عَلَى خُطْوَةٍ لَنْ تَصِلَ”. التسجيل ينتهي بسيئة لا تحمل رقماً، بل وصفاً معنوياً (“السمعة”)، وتطل على خطوة لن تصل، أي أن الحساب كله ينتهي إلى لا شيء. هذه السخرية من منطق الحسنات والسيئات تشبه نقداً أخلاقياً للتصورات الآلية للثواب والعقاب.
في هذه الأثناء، يتدخل النص بنداءين: “أَيُّهَا الْقِدِّيسُ الْفَقِيدُ فِي بَرْزَخِ الصَّلَوَاتِ”، و”أَيُّهَا الْمُعْتَكِفُ فِي نَبْرَةِ صَوْمَعَةٍ وَاحِدَةٍ”. القديس الفقيد هو قديس مفقود، أو قديس مات لكنه لا يزال حياً في برزخ الصلوات – ذلك الفاصل بين الصلاة والصلاة، أو بين الدنيا والآخرة. له “مِنَ الْحُزْنِ النَّبَوِيِّ مَا يَمْسَحُ عَلَى أَشْلَاءِ رُوحِكَ ثَلَاثاً ثَلَاثاً”. المسح على أشلاء الروح ثلاثاً ثلاثاً يشبه طقس الوضوء، لكن الأشلاء توحي بتمزق الروح ذاتها. والحزن النبوي هو حزن الأنبياء، لكنه هنا يستخدم لمسح هذا التمزق، وكأن الحزن نفسه هو طقس التطهير. وتكرار “ثلاثاً ثلاثاً” لا يقتصر على إيحاء طقسي فحسب، بل يعكس فائضاً في التكرار يوحي بالعجز عن إتمام التطهير، فالروح تبقى أشلاءً مهما تكرر المسح. ثم تأتي صورة القلب المطير: “وَأَنْتَ تُصَلِّي بِبَقَايَا قَلْبٍ مَطِيرٍ، تُكَفِّنُهُ ثَلَاثُ قُبَلٍ”. القلب المطير يحيل إلى القلب الذي يتعرض للمطر، أو الذي يطير في السماء، أو الذي يُبتل بالدموع. تكفينه بثلاث قبل يوحي بأن القبل تصبح أكفاناً، أي أن العشق هو الموت. وهنا تأخذ “الثلاث” بعداً آخر: ثلاث قبل كناية عن الوداع النهائي، أو الطلاق الذي لا رجعة فيه، لكنها في الوقت نفسه طقس التكفين الذي لا يُنهي الحضور بقدر ما يُثبته في الغياب.
اللافت في هذا المقطع هو الإشارة إلى “حَدائِقِ كُونْفُوشِيوسْ النَّبِيِّ”. كونفوشيوس ليس نبياً في التقاليد الإسلامية، لكن النص يمنحه هذه الصفة، ويجعل حدائقه مصدراً لباقة تعزية “تَلِيقُ بِبَقَايَا مَسَاءٍ يَغْتَسِلُ دَاخِلَكَ مُنْذُ الْأَزَلِ”. هذا الاستدعاء للحكمة الصينية في سياق صوفي عربي يفتح النص على أفق كوني، ويؤكد أن التجربة التي يمر بها القديس الفقيد ليست محصورة في ثقافة بعينها. بقايا المساء التي تغتسل منذ الأزل تعني أن المساء – رمز النهاية والظلام – هو أزلي، أي أن العتمة أسبق من النور. هذا قلب للأساطير الخلقية التي تجعل النور أولاً.
المقطع التالي يواصل الانشطار: “أَيُّهَا الْمُعْتَكِفُ فِي نَبْرَةِ صَوْمَعَةٍ وَاحِدَةٍ رَهِينَةِ نُطْقِ الشِّفَاهِ”. الاعتكاف في نبرة صومعة واحدة يعني الانعزال التام، لكن النبرة (الصوت أو اللحن) رهينة نطق الشفاه، أي أنها لا توجد إلا بالنطق. وهذا تناقض صوفي: الصومعة التي هي مكان الصمت لا قيمة لها بدون النطق. ثم يأتي الأمر: “قُلْ لِلْغِيَابِ يُرَتِّلْ شَرَائِعَهُ كَمَا يَشَاءُ”. الغياب هنا يتصرف ككائن حي يرتل شرائعه، أي يعطي قوانينه، والنص يأمر المعتكف بأن يقول للغياب أن يفعل ما يشاء. ثم: “فَلْيُنْذِرِ النِّدَّ وَالْبَخُورَ لِرَبٍّ لَا يَسْتَجِيبُ”. النِدّ هو المثيل أو الشريك، والبخور هو طقس التعطير، وهما يُنذَران لرب لا يستجيب. هذه الصورة تنقد فكرة الإله المستجيب، وتجعل العبادة كلها موجهة إلى إله لا يرد. ويتبعها صورة أكثر مرارة: “دَعْهُ يُخَبِّئُ تَحْتَ جِلْدِكَ نُسَخاً احْتِيَاطِيَّةً مِنْ جَحِيمِ جَهَنَّمَ”. الجحيم نفسه يُصنع منه نسخ احتياطية تخبأ تحت الجلد، وكأن العذاب ليس خارجياً يمكن تجنبه، بل هو مخزون في الجسد نفسه. ثم تنتهي الفقرة بسخرية: “حَتَّى تَضِجَّ بِالدُّعَاءِ أُسْوَةً بِأَسْلَافِكَ الصَّالِحِينَ”. الدعاء الذي يُضج به هو نتيجة وجود الجحيم تحت الجلد، أي أن الصالحين لم يكونوا صالحين إلا لأن الجحيم كان فيهم. هذا تفكيك لمفهوم القداسة.
في المقطع الذي يليه، ينتقل النص إلى صيغة الإثبات المطلق: “لَا شَيْءَ يُشْبِهُكَ سِوَاكَ، لَا شَيْءَ يُثْبِتُ أَنَّكَ الْغِيَابُ غَيْرَ حُضُورِ الْغِيَابِ”. هنا معادلة أنطولوجية: الغياب لا يثبته إلا حضوره. أي أن الغياب يحتاج إلى حضور ليكون غياباً، وهذا يشبه مفهوم الصوفية للفناء، لكنه يختلف في أنه لا يجعل الغياب طريقاً إلى حضور آخر، بل يجعل حضور الغياب هو الغاية. ثم “إِذَا تَنَزَّلَ وَحْيُ النَّبْضِ عَلَى مَسَامِعِ الآخَرِينَ”. الوحي هنا ليس من الله، بل من النبض، أي من الحياة البيولوجية البسيطة. وهذا تحويل جذري: الوحي هو ما ينبثق من الذات الحية، وليس من خارجها. ويتابع: “لَا شَيْءَ يُثْبِتُ أَنَّكُمَا صِنْوَانِ غَيْرَ حَدِيثِ الرُّوحِ يَوْمَ تُرْفَعُ الْمَآذِنُ فَوْقَ بِلَاطِ الْيَقِينِ”. الصِنوان هما التوأمان، وحديث الروح هو الذي يثبت هذه التوأمة بين الذات والآخر. رفع المآذن فوق بلاط اليقين صورة مهيبة: المآذن كرموز للإيمان تبنى فوق أرض صلبة (بلاط اليقين)، لكن ذلك يعني أن اليقين هو الأساس، والإيمان هو البناء. وهذا عكس التصور الشائع الذي يجعل الإيمان أساساً لليقين.المشهد التالي هو من أكثر المشاهد تركيباً في النص: “فِي صَدْرِ الْمَآذِنِ صَمْتٌ تَأَوَّلَهُ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ ذِكْراً، تَهَجُّداً، تَسْبِيحاً… بَيْنَمَا مَذْهَبٌ رَابِعٌ مُسْرِفٌ فِي التَّزَمُّتِ يَدْلُقُ الْمَاءَ الْغَدَقَ كُلَّمَا نَفَضْتَ يَدَيْكَ مِنَ التُّرَابِ، مِنَ الْقَصِيدِ، مِنَ الرَّبِّ، وَتَيَمَّمْتَ حُضْنِي”. صدر المآذن هو قلبها، وفيه صمت. هذا الصمت تتأوله المذاهب الثلاثة (ربما إشارة إلى المذاهب الفقهية الإسلامية، أو إلى الأديان التوحيدية الثلاثة) إلى أشكال من العبادة: ذكر، تهجد، تسبيح. لكن المذهب الرابع “المسرف في التزمت” (أي المفرط في التشدد) يقوم بفعل مختلف: يَدْلُقُ الماءَ الغَدَقَ (يسكب الماء الكثير) كلما نفض المتكلم يديه من التراب والقصيد والرب، وتيمم حضن الأنثى. هنا يحدث تحول كبير: التيمم الذي كان بالتراب أصبح بالحضن، والماء الذي كان محظوراً أو مرفوضاً (لأن الدراويش لعن المطر) أصبح مسكوباً بغزارة. لكن المذهب الرابع مسرف في التزمت، أي أنه يتشدد في شيء ما، وهذا التشدد يتمثل في إدلاق الماء الغدق، وهو ما يمكن تفسيره على أنه غرق في الطقوس أو في التعبد الظاهري. بينما الفعل الخلاصي هو “تيممت حضني”، أي تحول القبلة من الصعيد الطيب إلى حضن الأنثى. وفي هذا السياق، لا يكون الرقم ثلاثة رمزاً للكمال المقدس، بل للتعدد المؤوِّل الذي يظل منفتحاً، بينما الرقم أربعة يحمل معنى الانغلاق والتشدد.
هنا أتوقف عند كلمة “حضني” التي تكشف عن الأنثى المتكلمة، والتي كانت مخفية طوال النص. هذا الظهور المفاجئ يعيد قراءة كل ما سبق: الدراويش الذي يلعن المطر، والقديس الفقيد، والمعتكف في الصومعة – كلهم كانوا في علاقة بهذه الأنثى التي تتحدث الآن. والحضن هو المكان الذي يتم التيمم إليه، وهو بديل عن الصعيد الطيب، وعن القبلة، وعن الكعبة. وكأن النص يختزل كل الرحلة الصوفية في هذه العودة إلى الجسد الأنثوي، لكن ليس كجسد موضوعي، بل كقبلة روحية.
المقطع الأخير يجمع كل هذه الخيوط في صور مكثفة: “ذَاكَ طِينٌ لَا يَجِفُّ، يَنْهَضُ بِكَامِلِ طُهْرِهِ مِنْ وَثَنِ الْهَجْرِ”. الطين الذي لا يجف هو الطين الأول الذي خُلق منه آدم، وهو نقيض الصعيد الطيب الذي جففته الشمس. وهذا الطين ينهض من “وثن الهجر”، أي أن الهجر نفسه تحول إلى صنم، والطين يخرج منه طاهراً. ثم “ذَاكَ عِنَاقُ السَّرَابِ فَوْقَ مَسْرَحِ التَّجَلِّي، فِي انْتِظَارِ قِيَامَةِ اللَّاشَيْءِ”. عناق السراب هو عناق لا يحدث لأن السراب ليس شيئاً، لكنه يحدث “فوق مسرح التجلي”، أي حيث يظهر الله أو الحقيقة. فالتجلي يصبح مسرحاً، وعناق السراب هو التمثيلية التي تعرض عليه. وكل ذلك في انتظار “قيامة اللاشيء” التي تعيدنا إلى العنوان. وأخيراً “ذَاكَ فِقْهُ الْعِشْقِ خَارِجَ أَسْرَابِ الرُّؤَى، خَارِجَ طُقُوسِ الْجَسَدِ وَسَطْوَةِ الْهَبَاءِ”. فقه العشق هو ما يقع خارج كل شيء: خارج الرؤى الجماعية، خارج طقوس الجسد، وخارج سطوة الهباء (أي سلطة الفراغ أو التبختر). العشق هنا بلا قوانين، بلا طقوس، بلا جماعة، بلا جسد.
هذا النص لا يقيم لاهوتاً سلبياً بالمعنى الاصطلاحي الذي يحافظ على فكرة الإله من طريق النفي، بل يذهب إلى أبعد من ذلك: يفكك الأنساق اللاهوتية ذاتها ليحل محلها “فقه العشق” القائم على التيمم بالحضن، وعلى قيامة اللاشيء. إنه ليس بحثاً عن إله غائب، بل عن حضور لا يحتاج إلى إله. في هذا، يلتقي النص مع تجارب صوفية حدّية جعلت الغاية هي الفناء في الفناء، لكنه يقطع معها بإعلانه أن القبلة النهائية هي حضن الأنثى، أي العودة إلى الجسد والعلاقة الإنسانية بوصفها أفقاً للقداسة.
في كل مرة أعود فيها إلى النص، أجد طبقات جديدة من المعنى. فالتيمم بالصعيد الطيب لم يعد لي مجرد طهارة بديلة، بل أصبح استعارة عن أصل الإنسان الأرضي، وعن رفضه للرحمة التي تأتي من أعلى. ولعنة المطر لم تعد رفضاً للمطر بقدر ما هي رفض للصورة النمطية للإله المحسن. والمذاهب الثلاثة التي تتأول الصمت لم تعد مجرد إشارة إلى التعدد المذهبي، بل أصبحت مثالاً عن كيف أن كل تأويل هو تشييد للمقدس فوق الصمت. والمذهب الرابع الذي يدلق الماء الغدق أصبح تحذيراً من التطرف الذي يغرق في الطقوس، بينما التيمم بالحضن هو الفعل المحرر. هذه الطبقات هي ما يجعل النص يستحق القراءة المتكررة، وهي ما يجعله نصاً حياً، لا يموت بعد قراءة واحدة.
أختم هذه القراءة بتأمل: إن “قيامة اللاشيء” التي ينتظرها النص ليست حدثاً مستقبلياً، بل هي حدث يتحقق في كل لحظة يدرك فيها القارئ أن اللاشيء هو أكثر الحضور كثافة. وبهذا المعنى، يكون النص نفسه قد أقام اللاشيء، وجعله حيّاً في لغته، منتظراً قارئاً يستحق هذه القيامة. والناقد الذي يقرأ النص اليوم ليس بمنأى عن هذا الانتظار؛ فهو أيضاً يتيمم بحضن النص، في انتظار قيامة المعنى من رقدته.
النّصّ:
فِي انْتِظَارِ قِيَامَةِ اللَّاشَيْءِ
مِثْلَ دَرْوِيشٍ
أَتَوْا إِلَيْهِ بِكُلِّ السَّمَاوَاتِ
وَلَا زَالَ يَلْعَنُ الْمَطَرَ،
تَيَمَّمَ صَعِيداً طَيِّباً
آنَاءَ التَّوْقِ
أَطْرَافَ النَّهَارِ…
عَلَى قَدْرِ الْوَرَعِ
الْمُخْتَلَسِ مِنْ شُمُوسِ
الْمَجَرَّاتِ الْبَعِيدَةِ،
أَطِلِ السُّجُودَ
فِي سَاحَاتِ الْقَلْبِ الْعَتِيقَةِ.
امْضِ خَفِيفاً
إِلَى حَصِيرَةٍ مِنْ نَشِيجِ الْأَوَّلِينَ،
تَنْفُضُ عَنْكَ
أَغْبِرَةَ عَواطِفٍ عَاصية…
كَمَلْعُونٍ نَبِيلٍ
ارْفَعْ أَوْزَارَكَ
وَأَنْتَ تَصْعَدُ دَرَجَاتِ الْغِيَابِ…
تُبَسْمِلُ.. تُحَوْقِلُ
تُنَاجِي تُنَادِي
تَنْتَحِبُ مُنْشَرِحاً
تَضْحَكُ سَاخِطاً
مَغْشِيّاً عَلَيْكَ
كَمَا لَوْ أَنَّكَ
تُسَايِرُ ظِلّاً مَعْتُوهاً
صَيَّرْتَهُ مَلَاكاً
يُسَجِّلُ حَسَناتِ الْخُطَى:
حَسَنَةٌ
حَسَنَتَانِ
حَسَنَةٌ ثَالِثَةٌ
سَيِّئَةُ السُّمْعَةِ
تُطِلُّ عَلَى خُطْوَةٍ لَنْ تَصِلَ…
أَيُّهَا الْقِدِّيسُ الْفَقِيدُ
فِي بَرْزَخِ الصَّلَوَاتِ،
لَكَ مِنَ الْحُزْنِ النَّبَوِيِّ
مَا يَمْسَحُ عَلَى أَشْلَاءِ رُوحِكَ
ثَلَاثاً
ثَلَاثاً،
وَأَنْتَ تُصَلِّي بِبَقَايَا قَلْبٍ مَطِيرٍ،
تُكَفِّنُهُ ثَلَاثُ قُبَلٍ…
وَلِيَ مِنْ حَدائِقِ “كُونْفُوشِيوسْ” النبي
مَا يَكْفِي لِإِرْسَالِ بَاقَةِ تَعْزِيَةٍ
تَلِيقُ بِبَقَايَا مَسَاءٍ
يَغْتَسِلُ دَاخِلَكَ
مُنْذُ الْأَزَلِ…
أَيُّهَا الْمُعْتَكِفُ فِي نَبْرَةِ صَوْمَعَةٍ وَاحِدَةٍ
رَهِينَةِ نُطْقِ الشِّفَاهِ،
قُلْ لِلْغِيَابِ يُرَتِّلْ شَرَائِعَهُ كَمَا يَشَاءُ،
فَلْيُنْذِرِ النِّدَّ وَالْبَخُورَ
لِرَبٍّ لَا يَسْتَجِيبُ،
دَعْهُ يُخَبِّئُ تَحْتَ جِلْدِكَ
نُسَخاً احْتِيَاطِيَّةً
مِنْ جَحِيمِ جَهَنَّمَ،
حَتَّى تَضِجَّ بِالدُّعَاءِ
أُسْوَةً بِأَسْلَافِكَ الصَّالِحِينَ…
لَا شَيْءَ يُشْبِهُكَ سِوَاكَ،
لَا شَيْءَ يُثْبِتُ أَنَّكَ الْغِيَابُ
غَيْرَ حُضُورِ الْغِيَابِ،
إِذَا تَنَزَّلَ وَحْيُ النَّبْضِ
عَلَى مَسَامِعِ الآخَرِينَ…
لَا شَيْءَ يُثْبِتُ أَنَّكُمَا صِنْوَانِ
غَيْرَ حَدِيثِ الرُّوحِ
يَوْمَ تُرْفَعُ الْمَآذِنُ
فَوْقَ بِلَاطِ الْيَقِينِ…
فِي صَدْرِ الْمَآذِنِ
صَمْتٌ تَأَوَّلَهُ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ
ذِكْراً،
تَهَجُّداً،
تَسْبِيحاً…
بَيْنَمَا مَذْهَبٌ رَابِعٌ
مُسْرِفٌ فِي التَّزَمُّتِ
يَدْلُقُ الْمَاءَ الْغَدَقَ
كُلَّمَا نَفَضْتَ يَدَيْكَ
مِنَ التُّرَابِ،
مِنَ الْقَصِيدِ،
مِنَ الرَّبِّ،
وَتَيَمَّمْتَ حُضْنِي…
ذَاكَ طِينٌ لَا يَجِفُّ،
يَنْهَضُ بِكَامِلِ طُهْرِهِ
مِنْ وَثَنِ الْهَجْرِ،
ذَاكَ عِنَاقُ السَّرَابِ
فَوْقَ مَسْرَحِ التَّجَلِّي،
فِي انْتِظَارِ قِيَامَةِ اللَّاشَيْءِ…
ذَاكَ فِقْهُ الْعِشْقِ
خَارِجَ أَسْرَابِ الرُّؤَى،
خَارِجَ طُقُوسِ الْجَسَدِ
وَسَطْوَةِ الْهَبَاءِ…




