سياسة السراب : نزال الكراسي الخاوية

سياسة السراب : نزال الكراسي الخاوية
كتب رياض الفرطوسي
يُحكى أن “دون كيخوتة” (دون كيخوتة: هو بطل رواية الكاتب الإسباني “ميغيل دي ثيربانتس” الصادرة عام 1605؛ نبيلٌ فقد اتزانه من كثرة قراءة قصص الفروسية، فخرج إلى العالم بملابس بالية وسيف صدئ، متوهماً أن طواحين الهواء عمالقة وأعداء، ليخوض معارك وهمية دفاعاً عن مجدٍ لا وجود له إلا في مخيلته). لم يكن مجنوناً بالمعنى الطبي للكلمة، بل كان رجلاً صُفع ببرودة الواقع فقرر أن يسخنه بنيران الخيال، وحين لم يجد في سهول “لامانشا” (لامانشا : هضبة قاحلة في وسط إسبانيا، عُرفت بطواحينها وهي الميدان الذي شهد مغامرات “دون كيخوتة”) تنيناً يستحق نزال سيفه، استلف من الريح أذرع طواحينها وصنع منها عدواً يليق بفروسيته. لم تكن المعضلة يوماً في خشب الطواحين، بل في ذلك “الفراغ” الذي سكن روح الفارس، فدفع به لملئه بأي صخب، حتى لو كان صخب الانكسار أمام مروحة خشبية. واليوم، تغادر “الدونكيخوتية” رفوف الروايات العتيقة لتستوطن وعي المجتمعات المعاصرة، متحولةً من عارضٍ ذهني لواحدٍ من النبلاء إلى متلازمة اجتماعية وسياسية تنفجر حين تفقر الدولة في معناها، وتفشل السرديات الرسمية في تفسير الواقع، فيصبح الوهم هو الملاذ الوحيد المتبقي لإثبات الوجود.
في فلسفة الحكم، تُعد السلطة “آلة لإنتاج المعنى” كما يصفها جيل دولوز (جيل دولوز : فيلسوف فرنسي بارز، ركزت أعماله على مفاهيم “إنتاج المعنى” وتفكيك علاقات القوة والسلطة في المجتمعات الحديثة) : فحين تخرس هذه الآلة أو تصبح لغتها عاجزة عن فك شفرات الحاضر، ينشأ ما يُعرف بـ “الفراغ السيميائي”، والسياسة كفيزياء الطبيعة تمقت الفراغ، لذا فهي تملأ فجواتها فوراً بالصوت الأعلى لا بالحقيقة الأعمق، وبالخرافة لا بالخطة. وفي الواقع العراقي منذ عام 2003، نجد تجلياً صارخاً لهذا التفكك الاستراتيجي؛ إذ سقطت السردية الشمولية الكبرى دون أن تُستبدل بعقد اجتماعي يمنح الناس قصة واضحة عن هويتهم ومستقبلهم. هذا “التيه المعرفي” جعل المجتمع العراقي يعيش حالة استنفار دائمة، وبدلاً من بناء مؤسسات تواجه التحديات الوجودية كالفقر والتصحر والتبعية، اندفعت الهويات الفرعية لصناعة طواحينها الخاصة، فصار لكل طائفة أو تكتل “تنينه” الورقي الذي يحاربه ليوهم أتباعه بالبطولة.
إن الفخ الأعظم الذي تنصبه هذه المتلازمة ليس في قوة الخصوم، بل في “ابتكار الخصومة” كستار دخاني يغطي عجز التدبير. فعندما يقف “مهندس السياسة” عاجزاً عن ترميم شروخ الدولة، ينسحب من ميدان الحلول العملية ليشيّد مسرحاً من المرايا؛ يختار وجهاً ما، أو جماعةً ما، أو شبحاً خلف الحدود، ويُلبسه ثوب التنين الذي يهدد الوجود، ليقدم للجماهير “مخدر الغضب” بدلاً من “علاج الأزمة”.
وفي عصرنا هذا، لم يعد الوهم بحاجة إلى سهول شاسعة كسهول “لامانشا”، فقد صار لكل إنسان “سوق عكاظ” رقمي في راحة يده. تلك الشاشات الذكية التي لا تكف عن الوميض، تحولت إلى خنادق افتراضية تحقن الوعي بجرعات من “الأدرينالين الزائف”؛ حيث يظن المرء وهو في غرفة نومه أنه يخوض حرباً مقدسة بضغطات على لوحة المفاتيح، بينما هو في الحقيقة غارق في “صخب الصفر والواحد”. هذا الانغماس في نزال الأشباح الرقمية يسرق من المجتمع بصره، فلا يرى الانهيار الحقيقي وهو يتسلل عبر نوافذ الفقر والبطالة وتآكل المؤسسات، ليبقى “الفارس” مشغولاً بكسر الأيقونات على شاشته، بينما ينهار السقف فوق رأسه في صمت مطبق.
إن الدولة القوية، كما يشير فرانسيس فوكوياما (مفكر سياسي أمريكي معاصر)، ليست تلك التي تملك أكبر ترسانة عسكرية فحسب، بل هي التي تملك “القصة الأكثر إقناعاً”؛ فالسردية الوطنية ليست ترفاً ثقافياً بل هي أداة أمن وطني عليا، والخط الفاصل بين مجتمع يعرف عدوه الحقيقي ومجتمع يبحث كل يوم عن طواحين هواء جديدة ليحطم سيفه عليها. ربما لم يكن “دون كيخوتة” أحمق كما ظننا، بل كان ضحية لفقدان الوجهة، ونحن اليوم لسنا بعيدين عنه؛ فالمأساة الكبرى في زمننا لا تكمن في غياب الفرسان، بل في وجودهم بكثرة وبكامل حماسهم، ولكن في معارك لا وجود لها أصلاً، بينما تُترك “رَحى الرماد” الحقيقية تطحن مستقبل الأمة وتبدد أعمار الناس في صمت.
لكن التاريخ يخبرنا أن الأوهام تتبدد حين يقرر الناس استرداد “بوصلة الحقيقة”؛ فالأمل لا يولد من مطاردة الأشباح، بل من شجاعة الالتفات نحو بناء الإنسان والوطن. الفارس الحقيقي اليوم هو من يترك نزال الظلال ليصنع واقعاً ملموساً، وحين يبدأ العمل، تسكن الريح وتتوقف الطواحين عن إثارة الغبار، لتبدأ في إنتاج الضوء. نحن لسنا أسرى للسراب، بل نحن أبطال حكايتنا التي لم تُكتب بعد.




