الكاتبة لجينة نبهان وثنائية الثالوث المحرّم في رواية (المطار أخيراً) | أحلام حسين غانم

الكاتبة لجينة نبهان وثنائية الثالوث المحرّم في رواية (المطار أخيراً) | أحلام حسين غانم
ناقدة | سورية


“لقد حفظنا الدرس الأول منذ سنوات: إن لم تستطع أن تغيّر الواقع، فلا تدعه يغيّرك”، “بوسعكم السيطرة على أجساد البشر؛ لكن ليس بوسعكم السيطرة على عقولهم”
(سبينوزا)
“كل قلوب الناس جنسيتي.. فلتسقطوا عني جواز السفر”
(محمود درويش)
على سبيل “الثالوث المحرم”
تُمثل العلاقة بين الجنس والسياسة في الرواية المعاصرة، ثنائية “الثالوث المحرم” (الدين، الجنس، السياسة)، حيث يُستخدم الجسد كأداة لاختراق الممنوع، التمرد على القيم التقليدية، أو كاستعارة لهتك عرض الثقافة والسياسة.
في هذا الإطار، أصبحت السياسة محورًا فكريًا في الرواية المعاصرة، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع الفني. وعليه، يمثل الجنس والسياسة في الفضاء السردي جدلية معقدة، حيث يُوظف الجسد واللذة كأدوات لتقويض السلطة أو تشكيل واقع بديل، وتتحول الأماكن (مفتوحة/مغلقة) إلى بؤر للصراع الإيديولوجي والحب الفاشل، ويُسخر السرد هذه الثنائية “كمجس” للمسكوت عنه، عاكساً رؤى الكاتب الاجتماعية والسياسية عبر “سرد خائن” يراوغ الرقابة.
الناقل الحيوي
عندما يتحول السرد إلى فضاء يسافر فيه القارئ، تصبح الحكاية تجربة تفاعلية حية، حيث يتجاوز القارئ دوره كمتلقٍ سلبي ليتحول إلى مسافر يشارك في تقلبات الأزمنة والأمكنة.
من هذا المنطلق، تعدّ الرّواية الناقل الحيوي والفاعل جدّا لجدلية الحياة في ثنائية هذا الثالوث المحرم بكلّ أصولها وفروعها، لكن حين تصبح الأحلام الكبيرة أرضًا لطائرة الذات، تتعامد أجنحة الروح مع خطوات الأنفاس المحترقة، لتظلل شغاف القلب بأفياء أجوبةٍ ملتبسة وظلال طمأنينة عابرة، تعتلي متن الأعمدة الأسطوانية التي أينما وقفت ألفيتها تطيل النظر إليك بتعالٍ.
هدنة البرزخ.
من أجمل ما تنعم به الرواية هو ذلك الاستقبال الجميل على حد تعبير (روبرت هانز) الذي يمنح للقارئ دور الجراح لجسد النص والمحلل لمضامينه المعلنة والمضمرة في هدنة البرزخ.
من هنا تنطلق الاديبة لجينة نبهان في (المطار أخيراً) ومن لحظات تتكسر فيها الكلمات على بوابات الصمت، تتوارى الحقيقة خلف ستار الخوف، فتعتلي الكاتبة متن السكرات الفلسفية السقراطية مؤكدةً؛ “أن الحياة غير المختبرة لا تستحق العيش”، ومبشرةً بميلاد نور جديد، يوطد هدنة البرزخ الرمادية..
في المطار أخيراً
«في المطار أخيراً» رواية للكاتبة الروائية السورية لجينة نبهان – صدرت عن دار نوس هاوس ٢٠٢٤ – وقد جاء على غلاف الرواية موجز ما أرادت الكاتبة الكلام عليه في مضمون السرد فأشارت إلى أن “الطائرة لا تشبه أي مكان آخر، إنها التخوم بين عالمين يقطعهما الجميع بحقائب متشابهة وذاكرة مختلفة.. هناك من أراد رمي كلّ متاعه من ذلك الارتفاع، طمعًا في المضي متخفّفًا من ذاكرته، رغم فشل كلّ من سبقوه”، وهذه الإشارة تعكس ما وراء الرواية من البحث عن الحقيقة في الحب والعقل والذاكرة والوجود.
العنوان بين الصعود والنزول
تتضمن عتبة العنوان «في المطار أخيراً» إشارة واضحة إلى الفضاء باعتباره المرتع وهو المنبت، إنه أصل الأشياء بلغة دافيد ليبز، وهو الذي يمنح للرواية طقوس الصعود والنزول، الثبات والتغير، الحركية والجمود، الصمت والضجيج.
وبناء على ذلك، تسعى الكاتبة من هذا العنوان الماتع إلى الخوض في دواليب الفضاء الروائي من خلال طرح فرضية الفضاء المؤنسن الذي يختزن الأفراح والأتراح في زمرة من الذكريات الصانعة للحدث الإنساني، داخل رواية لا تشبه في صنعها لهذا الحدث “إلا في المطار أخيرًا” ليضعنا العنوان مباشرة في تجلي واضح لفكرة الفضاء المؤنسن الغاص بالمعاني والرموز السياسية.
غالباً ما تكون الرواية السياسية مزيجاً من “المسرات والألم”، حيث يستخدم الجنس كأداة للمقاومة أو كشف هشاشة السلطة، أو يتم تسخيره لصالح الهيمنة السياسية على الذاكرة الجمعية.
وبطبيعة الحال يتراءى لنا أن هذه الرواية دعوة مباشرة إلى حفظ الذاكرة وجعل التذكّر واجبًا فرديًا وجمعيًا لأن الكلام، إنتاجه وتداوله وحفظه في خزائنه المعلومة، هو الطريق الأول إلى صيانة الذاكرة الجمعية، وصون مشتقاتها، الهوية والكرامة ودفع الخذلان والنسيان وكل أصناف التخدير الأيدلوجي.
من هنا يحتفظ العنوان كنص موازي بقدرة دلالية تمثّل المدخل الى المتن الروائي كمصباحٍ يضيء الذاكرة، ومن هذا الجانب قُرئ عنوان الرواية «في المطار أخيراً» ومن خلال الظروف المحيطة بالكتابة وموقف الروائية منها.
لاسيّما المكان هو فضاء الحدث في الرواية، إلا أنّ المسار الحكائي لا يقف عند حرفيةٍ قارّة، بل يتجاوزها إلى مجاز متعدّد لا يستقر عند حدّ، بل يستمر منتجًا في الوعي تمثلاته الفلسفية والفكرية والثقافية.
تطل لجينة نبهان كمن يضيء مصباحاً في قبو مثلث الشكل مظلم محرّم الدخول إليه لتسرق الضوء من الجنس كاستعارة سياسية وتوظف الجسد ككاشف لهشاشة القيم التقليدية والزيف السياسي.
السرد الإيحائي
اعتمدت الكاتبة على السرد الإيحائي والرمز والحكي المتواتر والتخييل القائم على المفترض والممكن وسبر اللاشعور السياسي والوجودي وكست هذا النور بترانيمها الجامحة ونضالها المتعدد، ومنحته اسم “خالد”، لتحرث من خلاله جدلية “الثالوث المحرّم ” وتاريخ الطوارئ، في رواية موسومة «في المطار أخيراً».
غوصٌ جراحيٌّ
ربما أرادت القول: أن روايتها ليست سردًا سياسياً تقليدياً، بل هي غوصٌ جراحيٌّ في طبقات الوعي الجمعي، تبحث عن جذور الداء في مكانٍ أبعد من ساحات القتال في كهوف الذهنيات المغلقة، حيث تتحول القيم الكبرى إلى أصنام فكرية.
نشدُّ الرحال في هذا المقام نحو عالم فني أتقن زعزعة الكثير من تصوراتنا حول ما يحدث حولنا في الخريطة الجيوسياسية السورية، حول مفهوم العمل الفني نفسه، حول رسالة الفن وحول الأزمة السورية كموضوعة فنية بامتياز.
وتتجلى أهمية المكان/ سورية وتشكيل الأمكنة في الرواية لتؤكد ما أكد عليه “هنري ميتران” على أن أهمية عنصر المكان بقوله: ان المكان هو الذي يؤسس الحكي لان الحدث الروائي يحتاج الى مكان كما يحتاج الى شخصيه وزمن فالمكان هو الذي يمنح للخيال مظهر الحقيقة.” ،فـ “الأمكنة هي نحن وما يحيط بنا من مشاعر و أفکار”(1)
وتجدر الإشارة إلى المكان في السرد ليس مجرد خلفية، بل هو مشارك فعال (فضاء مغلق كالسجن أو مفتوح كالعامة) يجسد اغتراب الجسد، اللذة، الصراع، والأحلام المجهضة.
وإن امتزاج الجنس بالسياسة؛ هذا التداخل بل التعاشق بينهما قد تجلى في الرواية من حيث بناء الشخصيات والأحداث بل إن الدراما التي حفلت بها نتجت عن هذا الانصهار الروحي.
لقد شكلت علاقة الرجل بالمرأة أحد المحاور الأساسية في هذه الرواية ومن ثم حققت فضاء انسانيًا واسعًا وقد عالجت الكاتبة هذه العلاقة بوعي شديد وجرأة كاشفة لكثير من المسكوت عنه في الحياة.
قامت الرواية في بنائها على شخصية البطل، وقد استطاعت الكاتبة عبر أحداث الرواية وأماكنها من إيجاد مساحة كي تتحرك من خلالها بطلة الرواية ” نور” فهي ذاكرة الوطن الممنوع من الصرف، قبل أن تلسعها عقارب الوقت “في المطار أخيرًا”.
تشريح البنى الذهنية
تكمن قوة طرح الكاتبة انتقالها من نقد الممارسات إلى تشريح البنى الذهنية التي تنتجها؛ إنها ترصد كيف يتحول “الوطن” من فضاء حي للاختلاف إلى حصن منيع ضد السؤال، وكيف تتحول “الوطنية” من انتماءٍ عضوي إلى بطاقة اعتمادٍ اللاجدوى.
نقتبس عن لسان بطلها: “قال هذا دون أن يقوله، وعاد فرماه في سلة تناقضات يحتفظ بها في ركنٍ من تفكيره، يودعها ما لم يحسم أمره بشأنه حين يتجاذبه “نضالان”: ذاك الذي يأبى المسكوت، والآخر الذي دخل مرحلة الاعتقاد بلا جدوى الكلام”.
حرارة السرد
في هذا الإطار تسرّبت حرارة السرد كالزئبق، فأخذت الكلمات ترتطم ببعضها ناثرة رذاذًا شجيًا أشعل الشغف في الروح الظمأى لحرية مغايرة..
تنطوي جملة البداية على مفعول سحري، فالقارئ مسحور أمامها باعتبارها المختزل الذي كشف كونًا من العلامات والرموز والدلالات داخل فضاء الرواية تقدّمها اللغة حمّالة الرسالة، رسالة بالنسبة للقارئ فالروائي رهانه مع اللغة كفن.
تفتتح الروائية عالمها بصيغة تعبر عن “الحال” إذ تبدأ الرواية بعرض الحال المتعالي الموجع: “في القاعة الكبيرة، حيث تتشارك مفردات المكان طقوس الحياد، مقاعد الجلد السوداء الباردة، الأعمدة الاسطوانية التي أينما وقفت ألفيتها تطيل النظر إليك بتعالٍ”.
تعاملت الرواية مع ثيمة القهر تعاملا فنيا من خلال تجسيده عبر شخصيتين، الأولى المناضل “نضال” والثانية “نور” حيث تُعدّ رواية «في المطار أخيراً» تعبيرًا تذويتيًا رفيعًا عن الهوية والذاكرة الجمعيتين ودرسًا في كيف تصبح الذات معبرًا لمرور الآخرين وحضورهم وبروزهم، فتصبح ذاتًا متفردة متمثلة بأم نضال/ الوطن/ وقد تجمعت فيها ذوات الآخرين تجمعًا لا ينشأ سوى من عوالم التخييل وفسحات الأسئلة اللامنتهية.
حيث تقول: “لولا أني ولدت من صلب رجل أورثنا السؤال ومكتبة صغيرة كبرت معنا، ومن رحم أم أصابتها لعنة آلهة ما، رغم إيمانها؛ كان يمكن لحياتي أن تكون عادية لولا أن لي أخًا تشرّب اسمه فكان نضالاً”.
الذات العابرة للزمن
يسعى الفعل التخيلي، في الرواية، إلى إعادة بناء الذات التي حجبها الغياب وأتلفت ملامحها سلطة التاريخ وتاريخ السلطة، ويمثل “نضال محمد علي” وما يحمله الاسم الثلاثي من رمزية النواة الصلبة لهذه الذات العابرة للزمن كنص سردي يلامس أعماق البنية القيمية للمجتمع السوري التقليدي، في تقاطع مع التاريخ، والهوية، والصراع بين الثابت والمتغير.. تقول الساردة:
“عن أيّ وطن؟ وأيّ “نحن” تتحدث يا صديقي؟ عن “نحن” المتوهمة أم “نحن” – صانعة الوهم؟ عن “نحن” الجاهلة، “نحن” المصدّقة ،أم “نحن” المستثمرة لجهل الأخرى؟.
ذات تصريح بلسان نور تقول: “كنت أظن أن كلّ من دخلوا ذلك المكان لا بد أنهم حملوا قضية، حملوا رأيًا أو رؤية، أو فكرًا، لكن دانيال نسف اعتقادي، وجلا عني ذلك الوهم”.
النواة الصلبة
بعبارة أخرى، ليس بريئة أن تكون لجينة/ نور نقطة انتشار كل الممكنات السردية وتكون هي أيضًا نقطة إرساء لكل الأفعال المنجزة والأم/ الوطن هي النواة الصلبة التي تتكسر عليها كل طواغيت الزمن.
تخلق “لجينة نبهان” عالمًا مسرحيًا متكاملا، تحتضن دوامات “نضال محمد علي” الفكرية، وتوجهها صوب عتبات العقول المخدرة، لأخذها في رحلة نحو تخوم الأسئلة المصيرية للإنسان، المكبل بقيود “ما أنزل الله بها من سلطان” التي يبتدعها الناس دون حجة، دليل، أو برهان من الله.
فوضى الحواس
لجينة نبهان/ “نور محمد علي” في اللحظات الفارقة، تهز عرش المتوقع المألوف، المتجذر في جمودية الفلسفات الميتة، متحدية تاريخ الطوارئ، مسطرة بتمردها وصولاتها الفلسفية كتابات المساحات المُنتظِرة، طابعةً الرواية طابعًا حداثويًا مستعينة بتحطيم سلاح أفلاطون الأشد فتكًا، إنه الخوف.
وبطبيعة الحال، فإن الأمر مختلف مع “لجينة نبهان” إنها تروي قصتها وتشير إلى موقع الآخرين داخل هذه الرواية؛ إنها تمتلك الجسد السرد ولا يمتلكه أي رجل، إنها ثابتة في الفضاء والآخرون متحركون.
في مقابل فوضى الحواس وعفويتها ولا منطقيتها أيضًا، يأتي التفكير كفعل يعي نفسه ويعي موضوعه في نفس الآن.
طواحين الموت
كتحريك للواقع الإنساني التي تراه الكاتبة مستنقعًا لا تنبت في قاعه إلا نباتات الوهم، تستحضر مقولة “إليوت”: إن البشر ليس مصمّمين لتقبل الحقائق”، ممثلا في شخص “فادي” وشخص “نضال”. وتحاول عبر المواجهة بين الاثنين تحدي الاستهلاك الإنساني في طواحين الموت، وبث الحماسة في أطوار الإبداعات والخطط للخروج من ديناميت الجهل الجاهز المألوف القاتل.
الشد والجذب في لعبة الحوار، يضاعف أبعاد شخصية “نضال”، باعتبارها حياة تستجيب استجابة كاملة للنمو خارج القفص، ليغدو مجموعة ذوات تتصارع، لتجعل الحياة محيطًا يتسع ولا يضيق.. حيث تقول: “بخطى أنهكها ذاكرة خالفت قوانين الفيزياء لتصير أثقل ما إن استيقظت”.
التحرر من قوانين الفيزياء
هذا التحرر من قوانين الفيزياء يخلق جمالاً خاصًا، يعيد تشكيل مفاهيم المكان والزمن لتتوافق مع فيزياء جديدة أو “وهمية”، ويصبح الجسد في بعده الإيروسي تلك البؤرة التي تتجلى فيها وعبرها الذوات والأشياء ويصبح الأفعال والأوصاف رحلة عبر الزمن والسفر حيث تقول: “رحلة بلا عنوان، وكل العناوين كانت تصح عليها ولها في نظرها، ويحيل الوطن إلى تحفة الزمان وخردته”.
وهل السياسة إلا كذلك مظاهر متعددة العنوان لمصلحة واحدة (خفية عن العيان)؟.
ولأن كل شيء في حضارة الإنسان يخضع للسياسة فالرواية هي أعين الشعب مقابل آذان الحاكم، وهذه الثنائية هي التي تخلق الصراع العقدي للوصول إلى الحل الدرامي…لكن يبدو الأصعب في قول الساردة: “أصعب من أن تكون ضحية هو أن تكون ضحية لضحية”.
العهر السياسي
قد يرى البعض في وجود بعض المفردات أو التركيبات في الرواية نوعًا من الإباحية أو التجاوز ولكنني أرى أن العهر السياسي الذي يجتاحنا أكبر بكثير من هذه المفردات والتركيبات لنقرأ هذا المقطع: “في ذلك اليوم بالذات” والذي شعر فيه بالجسد الطري تحته، والقشعريرة التي أبت أن تفارقه مظهرةً عنادًا لم يستطع مقاومته، بل لم يرغب بذلك، فتراخى عن كبح جماح رغبته في الاستسلام للإثارة”
في ضوء هذه المقاومة للعهر السياسي، نحاول التماس الضوء الهارب باعتباره سردًا للجسد الإنساني في أوضاعه وحالاته المتنوعة: لحظة “استرخائه” ولحظة “توهجه” ولحظة “انصهاره” في فعل يمتص مجموع “انفعالاته” نحاول القبض على تلك اللحظة بلسان خالد: “أغمض عينيه وأطلق سراح أصابعه لتتسلل تحت بنطال “البيجامة” الذي خشي أن يتحرر منه تحسبًا لأي طرق على الباب يكون جاهزًا له، كان عضوه ينتظره بإلحاح لم يسبق أن شعر به، كأنما يريد أن يقول: “أنا هنا، لا يمكنك تجاهلي بعد الآن، لن أبقى هكذا معلقًا بين فخذيك كأبله”.
ما وراء السرد
إن هذا النسيج الرمزي للأشياء والكلمات والتراكيب وصياغة الوقائع هو الذي يدفع بالمتلقي إلى استحضار سلسلة من الصور الجنسية قائمة على نوع من التماهي أو التناظر بين الفعل الجنسي ومجموع الأفعال الأخرى من جهة، وبين “أدوات” الجنس و”أماكنه” وبين الأشياء من جهة ثانية.
إذا نظرنا من زاوية أخرى نجد أن الكاتبة تعتمد على الفراغات والفجوات، وتترك للقارئ حرية التأويل، فيتحول النص إلى فضاء مفتوح لا نهائي، وتحطيم الحدود بين الواقع والمتخيل عبر تقنيات ما وراء السرد.
من زاوية النظر هاته، تتبدى معالم الجسد الذي كان موضوعاً للسرد، وموضوعًا للوصف وموضوعًا للاستذكار والاستباق والاستيهام، وموضوعًا للغة أيضًا، فمنه تخلق لنفسها تركيبًا جديدًا لا يدرك إلا في علاقته بما يتولد عن هذا الجسد من “هزات” و”إيماءات” و”آهات” حيث يصبح للكلمات لسان ناطق صامت.
وهذا ما نعاينه في بعض المشاهد التي تقدمها الرواية حيث تتخلى اللغة عن تركيبها العادي لكي تتزين بتركيب يخلط بين اللفظي والبدني، ليُقرأ اللفظي انطلاقًا من التركيب الذي يقدمه البدني.
إذ تقول: “ها هما اليدان البضّتان تغمران وجهه بحرارتهما، بينما تخترق نظرتها روحه كانت تريد أن تقول شيئًا، لكنها فضلت الصمت”.
يقينيات مغلقة
عبر هذه الصياغات تنبثق كل المضامين التي تم تخزينها -لا شعوريًا- لتبدو كإمكانات لا حد لها للفعل؛ إنها دعوة لتحويل الصمت/ الفكر من سلاح في معارك الهوية إلى ضوء نبحث به معاً عن مخارج من النفق فالإنسان بشكل عام والسوري بشكل خاص، بعقله وجسده وروحه، أكبر من أن يحبس في قوالب جاهزة، وأغنى من أن يُختزل إلى يقينيات مغلقة.
نرى ذلك، بعد مواراة نضال في السجن كيف يطل دانيال الذي خلقته المصادفة في حياة “نور “بصورته التقليدية من أرشيف ذاكرة نور، ليكون الزوج الذي لم يتبن فكرًا ثوريًا ولم يكن مناضلا إلا بالصدفة، إنه الرجل الذي اجتمعت في داخله كل أنانية العالم. حيث تقول: “خمد بداخلها كلّ شيء دفعةً واحدةً إلا طعم مرارة شعرت بها تسري كساقية تروي خيبتها التي أثمرت يأسًا قطعيًا هذه المرة مغرقًا أيّ أملٍ بنجاة”.
تجربة مريرة
مع شخصية “خالد”، تلج لجينة نبهان/”نور” مرحلة جديدة من نضالها، وتفتح ثقبًا يسمح لنضال باستيعاب تجربة مريرة، واكتشاف فضاءات أخرى، تظلل مدنًا محشوة بمخلوقات مستنسخة عن جدب وخراب وذنوب وأفواه تتكسر فيها العبارات، وأمهات تشع بالأنين. وذاكرة تقطر بالألم.
لقد عاشت البطلة “نور” نهبًا لمشاعر الاستلاب والاغتراب عن ذاتها وعن محيطها، وعالقة في مصيدة دوامة اجترار الأفكار والذكريات السود التي تنبثق من جوف الإحساس بالعزلة الخانقة والتمزق الداخلي والتعاسة نتيجة القمع (الذكوري، السياسي، الاجتماعي)، مما يؤدي إلى مسخ الذات.
عجلة السرد
مع كل هذا الاستلاب أرادت الكاتبة أن تجعل من الشخصية النسائية كيانًا مركزيًا يمحور الأحداث من حوله ويوجهها بالكيفية التي تناسبه وبما يسهم في تصاعد العقدة صراعًا وتأزمًا باتجاه بلوغ التغليب الأنثوي أوج درجاته وبغية توكيد أهميته وعقلانية طريقه الفكري.
والدليل على ذلك مقصدية البطلة “نور” في إمساك عجلة السرد بيدها لا بيد غيرها بدءًا من أول سطر في الرواية وانتهاء بآخر سطر فيها.
ولم تكن وظيفة “نور” كسارد المشاركة أو المراقبة أو الإخبار حسب؛ بل كانت وظيفتها توجيه المسرودات أولا وتحريك الزمن ثانيًا والقفز على السرد إلى خارجه بمقاطع ميتا سردية ثالثا وكل ذلك مرهون بكينونتها المؤنثة التي كانت تخاتل الآخرين لأجل اكتشاف الأسرار، وقد تغالب أهواء نفسها لتوكيد فاعلية دورها محاولة صنع قدرها بنفسها.
الاستلاب الروحي
تظهر الذاكرة كـ “ملاذ” تهرب إليه البطلة من واقع الاستلاب الروحي، أو كـ “عبء” يزيد من إحساسها بالغربة والاختلاف؛ لتتداخل الآليتان في تصوير تجارب التشظي، النزاعات المسلحة، وتغيرات الهوية المجتمعية.
وتدرك البطلة أن ذاكرة الأرض هي ذاكرة كل الأجساد التي هجرت او سجنت أو قتلت، هي ذاكرة دماء الذين سقطوا شهداء من أجلها، وهي ذاكرة الأطفال الذين تيتموا والذين أسروا أو الذين شردوا خارج حدود الوطن.
كيف نفهم دور اللغة و الذاكرة الجمعية في ذاكرة “لجينة نبهان العميقة”؟
استخدمت “لجينة نبهان” لغة رمزية ووظفت أسماء فلسفية وتاريخية وحوارات سريعة لتكثيف التوتر، جاعلة من العلاقة بين/ خالد ونور/ مجازًا لتمزق الذات السورية بين الانتماء إلى الوطن المثقل، والانسحاب إلى الذات أو الفضاءات البديلة.
ألغام مقلوبة
في العمل الفني كل الأمكنة تولد مرة أخرى من رحم الذاكرة العميقة، فهي تولد مجروحة ومشوهة، لكنها تولد أيضَا متمردة ومزعجة وساخطة شاهرة كينونتها الصلبة من حديد القلوب المؤمنة ونار الأقلام المقاومة.
اجتازت الأسلاك الشائكة وأدواتها التجميلية على هيئة ألغام مقلوبة تحمل ذاكرة الكوابيس وكراسي التعذيب وسرير الزنزانة، ذاكرة الاعتداء والتهجير والتصفية.
تخترق “لجينة نبهان” في عملها الروائي ذاكرةَ أرض لا يمكن اختراقها، لأنه لا أحد بوسع امتلاك مساحة اللامتوقع بوصفها ملكًا لبراعم المستقبل.
أما ما يحدث الآن فقد لا يكون سوى لعبة سخيفة لمهرجين حصادهم الوحيد الإكثار من الجثث والمشوهين والمرضى النفسيين.
افتضاض الواقع
هل الكتابة اغتصاب للذاكرة واختراق للحلم، أم افتضاض للواقع وإشباع لرغبة ما. أم إنها رحلة فيزيائية وروحية، رحلة اطلاع ومعرفة، من خلالها يتم استنطاق مالا يُستنطق؟.
أيّ معنى لهذه الذاكرة عندما تصبح مستعصية ومراوغة حتمًا ستفقد السيطرة على كل شيء وتخضع لانتصار النسيان، وكما قال يوجين ديلاكروا: “الإنسان بلا ذاكرة لا يعرف على ماذا يستطيع أن يعوّل.. كل شيء يخونه”.
لكن عندما تكون الذاكرة مستودع الذات يصبح التذكّر هو فعل تحرّر من المكان (هنا) ومن الزمان (الآن).
الإغواء الروحي
من يجزم أننا لن نتعرض، بدورنا، للإغواء الروحي والذي هو الأكثر عمقاً وتجذراً في النفس البشرية؟ وإلى متى سوف يستمر توهمنا بامتلاك الحقيقة؟.
هل من يستسلم للإغواء يعترف بأنه ارتكب إثماً أو خطيئة، أم يعتبر نفسه ضحية.. هذا ما يفعله الفرد حين لا يحقق المكاسب التي توقعها، أو حين يجابه بالإدانة.
في هذا الإطار، تعاني الشخصية الأساسية “نور” من أزمة هوية كما الكثير من أصحاب الفكر الحر، فتنطلق في رحلة التفتيش عن انتماء جديد داخل كينونة البشر والأشياء والأمكنة يتجاوز الديانات وطقوسها، مترجّحة بين الشك واليقين.
الزمن الضائع
وخلال بحثها، تعيش قصة حب روحي مع “خالد” في الزمن الضائع، لتدرك أنّ عشق العقول هو الحقيقة التي كانت تبحث عنه، وحاولت أن تعيش لحظة التحام حميمي، حتى آخر عضلة وعصب، بالمرئي واللامرئي، بالمحسوس والخفي، بالظاهر والكامن.
الشخصية البطلة هنا تقوم برحلة شاقة وقاسية وموجعة داخل ذاتها؛ ترتاد الأعماق. تتحرى (وتكشف) المكبوتات؛ تستقرئ منابع الإثم والذنب والمشاعر الغامضة.
تنتقل من محطة إلى أخرى حيث المكاشفات والاعترافات تتدفق في جريان سريع وحار ومتوحش مثل انبثاق الدم من جرح فاغر متروك بلا إسعاف.. إنها تعالج هذه القضايا الفكريّة بأسلوب جميل يحمل سمة السهل الممتنع، ولكن فيه الكثير من التساؤلات الجريئة التي تتوارد على ذهن كلّ إنسان بلغة تتفاوت بين الشعرية والسردية، وبين الفلسفة الوجودية.
تُلمّح الكاتبة منذ انطلاقة الحكي، ثمّ تؤكد في المتن، ما أكده الكثير من المفكرين أن حياة واحدة لا تكفي لاكتشاف أسرار الكون والوجود، بل إنّ الأمر يحتاج إلى حيوات أكثر.
الاكتشاف ثمرة هذا الاتصال اللاهب، الهبوب الذي لا يمكن معرفة مصدره والتكهن بخاصيته أو مدى فعاليته وتأثيره. إنه ثمرة التوتر والاستثارة والهيجان والذروات المتلاحقة دون انقطاع.
قطب الرحى
هذا هو قطب الرحى الذي دار حوله السرد، هو الخيط الواصل بين أجزاء الحكاية منذ إقلاع لسان الحكي الذي ترتبط به القضايا الأخرى على الرغم من أهميتها وكان التركيز على رفض المفاهيم والقوالب التي تسهم في تعطيل ماكينة إعمال العقل ،والتفكير خارج الصندوق الأسود الذي وضع السابقون الناسَ فيه، وأقفلوا عليهم.
هذا ما بدأت “نور” بطلة الرواية البحث عنه والتفكير فيه عندما تغيّر المكان وتبدّل، لكن لماذا اختارت الرحيل «في المطار أخيراً» عنوانًا/ مسارًا لرحلتها؟
ولماذا تصرّ على إبعاد القلب العاشق عن العقل المفكِّر؟
يُعد الاستلاب الفكري في الرواية الحديثة، خاصة العربية، موضوعاً نقدياً يصور وقوع الشخصيات تحت تأثير أيديولوجيات مختلفة أو أنماط فكرية مهيمنة، مما يؤدي إلى اغترابها عن واقعها الثقافي والاجتماعي.
وتجسد الرواية هذا الاستلاب عبر شخصيات مشتتة، تعاني من صراع بين الهوية الذاتية والتبعية لنموذج “آخر”.
انعطافة كبرى
تكشف الصفحات الأخيرة عن انعطافة كبرى وتحوّل جذري في مسار الرواية، فبعد الصدمة الأولى المتمثلة بموت نضال، وعماء أم نضال، وغياب خالد تجد القاتل والمقتول كلاهما ضحية، فتعيد للقارئ وعيه النقدي وتجعله مشاركًا في انتاج المعنى.
نقتبس من الرواية قولها: “القاتل والمقتول كلاهما ضحية زُج بهما في معركة ليست معركتهما، كانت تزداد قربًا من الفلاسفة ونفوراً من الأيديولوجية والأحزاب، وتزداد قناعة أن كل ذلك قام باسم الإنسان لخدمة وتحسين حياته، لكنها في الحقيقة استخدمت هذا الإنسان لمصلحتها، بل وأحرقته تحت عناوين مختلفة”.
الازدواجية العصية
العنوان لا يعكس دائماً المحتوى بشكل مباشر، بل يعمل “كشفرة” (تلميح لا تصريح) يفككها القارئ، مما يجعل المسكوت عنه وسيلة للتحايل على الرقابة.
أن تُعاش الحكاية في الواقع، أو حتى تُقرأ في شكل رواية، ليس في الأمر كبير اختلاف؛ من منظور شخصية خالد، ونور التي كانت تبحث عن نفسها، في تلك الازدواجية العصية على تركيبة المرأة التي تشبهها في تاريخ الروايات التي قرأتها وقصص الحب فيها التي عاشت ألمها وعذاباتها ومتعتها، واكتشافها أن الجسد خائن، وأن الرعشة ليست بالضرورة قرين الحب.
نقتبس من قولها: تخيلت أن هول الاكتشاف يساوي بداخلها هول إعلان نيتشه موت الإله في قلوب المؤمنين”.
واستدعاء ما قصده نيتشه هنا والذي لم يقصد به الموت المادي، بل موت المفهوم الثقافي الذي كان يحكم القيم، دافعاً الإنسان إلى “عشق الأرض” والحياة كما هي، لا كما يجب أن تكون.
هي دعوة لتحمل الإنسان مسؤولية خلق معانيه وقيمه الخاصة، متحرراً من قيود أخلاقية قديمة، والبحث عن حب واقعي بدلاً من المثالية الزائفة.
والإشارة الى قضايا تدل على عنايتها بها كونها قضايا محظورة “الدين والسياسة والجنس”، والهدف من تناولنا لهذه الظاهرة ضمن هذه الرواية هو الوقوف على توظيف هذا الثالوث المحرم في الإبداع الروائي المعاصر الذي خالف المألوف وأدخل الرواية عوالم التجديد.
خلاصة القول
الرواية المعاصرة أضحت تلك الكتابة الروائية التي تواجه العري بكل أنواعه وتستمد خطابها من عدة علوم كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس… والبحث عن ثغرات التاريخ المقفلة، المهمشة والمغيبة..
وتجدر الإشارة أن الكاتبة نجحت في مواجهة العري، عري الذات الفردية أمام مرآتها، وعري الذات الجمعية في مساءلة نسق العلاقات في ظل التحوّل نحو الحداثة، حيث يبدو كل فرد – وكذلك المجموع – متحركا إلى الأمام، إلا أنه في الحقيقة يتوجه نحو الخلف.
يبدو أن رواية “في المطار أخيرًا ” لم تعد مجرد رواية تُقرأ، بل أصبحت فضاءً سرديًا يسافر فيه القارئ لتصبح الرواية نصًا مفتوحًا يسعى للبحث عن المسكوت عنه؛ وإبلاغ صوت الكينونة المتكلمة خارج الواقع والمقتضيات الاجتماعية، “وخارج ما تلوكه الخطابات السائدة الحريصة على تنظيم وقولبة العلائق وسنن القول بين الناس”.
لقد أفلحت الكاتبة في تحويل موضوع المسكوت عنه من صورته الشائعة اجتماعياً وأخلاقياً في المجتمع إلى منجز/مطار/ فني مُتعالي الخطاب ومُتعدّد الأصوات ونابض بالأسئلة الكبرى والدلالات والتآويل والمحطات، ودبجه بألوان من الفكر والتخييل، ما يجعل النص قطعة عالمية يمكن أن تنفذ إلى داخل كلّ قارئ محتمل تعبيراً وتأثيراً وإمتاعاً.
على سبيل الختم
إن هذا المزج بين السياسي والاجتماعي في الرواية يقود حتماً إلى إيجاد نوع من السلاسة في مقاربة حالات اجتماعية معيشية يتصارع في خضمها الشباب العربي/ السوري الذي يمثل الفئة الأكثر معاناة في المجتمع سواء على مستوى التفكير أم على مستوى المشاركة السياسية.
رغم أن حضور الثالوث المحرم قد تبلور بترسانة احتراسية اعتمدتها الكاتبة بالتخفي والإخفاء والتعمية والكناية والتلميح والترميز والإضمار، وأحيانا بخلق عوالم تخييلية استطاعت أن تفلت من رقيب الفكر السطحي.
إذ لم يكن طرق المحرمات الاجتماعية والأخلاقية والعقدية والسياسية إشكالاً إبداعياً يوماً؛ بل على العكس يصبح عدم التطرق إلى تلك المسكوتات في مجتمع بشري مجبول على الخطايا؛ هو المشكلة القيمية للكتابة.
من هذا الّذي سبق أصبح السؤال أكثر إلحاحًا في مدى توسّل الرّواية السورية للجنس والدين والسياسة من أجل ضمان كينونتها الإبستيمية وفاعليتها في القارئ.
فالقارئ “في المطار أخيرًا” لا يتتبع أحداثُا فحسب، بل يدخل لعبة الكشف التدريجي وإماطة اللثام عن الأسرار، فالقراءة فعل من أفعال الكشف، كشف التناقضات، وتعرية المجتمع المثالي الراغب في التحديث.
وعليه، مثّلت هذه الرواية نموذجًا بارزًا لتحولات السرد ما بعد الحداثي في الرواية السورية، وإعلانًا للتحرّر من قيود السرد التقليدي والتحوّل إلى فضاء مفتوح لا نهائي.
ويبقى التساؤل المطروح
كيف تم الإنقاذ الجمالي للحقيقة الغائبة “في المطار أخيرًا”.. وبالتالي كيف حرّرت الكاتبة “لجينة نبهان ” الأجساد المعنَّفة من دائرة الصمت واللامرئي والمقموع والمكبوت والمسكوت عنه ،إلى حيِّز المرئي والجريمة والإدانة الجماعية؟.
هوامش:
1) النابلسي شاكر، ”جمالية المكان في الرواية العربية”، ص:95




