ظمآن لكِ | معاني سليمان

ظمآن لكِ | معاني سليمان
قاصة | سورية
كانت تتأمله بانبهار، وهو جاثٍ على ركبته، بريق الخاتم الماسي الذي في يده يخطف الأبصار، عيناه تفيضان حباً وغراماً. شعرت ديانا في تلك اللحظة أنها أسعد امرأة في العالم.
عادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة.
حيثُ لقائهما، الصدفة التي رسمها القدر، وأوقعتها في غرامه، منذ النظرة الاولى.
كانت تقود سيارتها، عائدة إلى المنزل، بعد نهار طويل وشاق في العمل، أدارت الراديو عله يسلي وحدتها، وهي تقطع الطريق السريع، بدأت الموسيقى تنتشر في الاجواء، مالبثت أن أطفئته غاضبة، كانت تلك أغنيتهما المفضلة، عندما كانا معاً، هل حقاً تجاوزته كما تعتقد؟ وإلى متى ستبقى تدعي هذه القوة؟!
فاجأها صوت إنفجار قوي، راحت السيارة تترنح على الطريق، وضعت كل ثقلها على مقود السيارة، محاولة السيطرة عليها.
على حافة الطريق العشبي كانت ديانا تركل بقدمها إطار السيارة المثقوب، يالحظي السيء، كيف سأتصرف الان؟!
السيارات تمر من أمامها مسرعة، لكنها ترددت في طلب المساعدة، فقد سمعت عن حوادث اختطاف وقتل تحدث للفتيات الوحيدات على الطرق المعزولة.
بدأ ذهنها يعيد اليها قصصاً سمعتها لنساء وجدت جثثهن ملقاة في الغابة، وهناك من حدث لهن الأسوء، اختفين بلا أثر!! وبقيت سياراتهن متوقفة في المكان.
بدأ الخوف يتسرب إلى ذهنها، ليس لديها أحد تتصل به، سواه. رفضت الفكرة تماماً: لا.. لايمكن، لن أطلب منه شيئاً، سيظن أنني…
لاحظت سطوع أضواء قوية، دخلت مسرعة إلى السيارة، وأغلقت النافذة، توقفت سيارة سوداء بالقرب منها، خرج منها ظل حاولت تمييزه في الظلام، طرق بيده على النافذة، فتحتها قليلاً، رأت شاباً وسيماً، بهي الطلة، ينظر في عينيها، مساء الخير سيدتي، هل هناك مشكلة، أظن أنه لايجب أن تكوني هنا في هذا الوقت.
أجابت: أنا بخير، شكراً لك، سيأتي أحدهم قريباً.
ظلت تنتظر رحيله، لكنها تفاجئت بأنه بقي واقفاً أمام سيارتها، كان وقوفه بالقرب من أضواء السيارة قد أعطاها فرصة لتتأمله أكثر، جسده الرياضي، بدلته السوداء الأنيقة، بشرته الفاتحة، شاحبة بلون الشمع، عيناه سوداون بسواد الليل، شعره بني بلون العسل متموج، رفع رأسه والتقت عيناه بعينيها، ابتسم لها ابتسامة ساحرة، شعرت بالدوار على أثرها، حاولت أن تسيطر على دقات قلبها المضطربة، ضغطت بقوة على بوق السيارة، تحرك من مكانه على مهل، اقترب منها، انحنى بجوار النافذة، قالت بحزم: لم لاترحل، لماذا تقف أمام سيارتي؟!
رد بصوت هادئ، وهو يرسل نظراته لتخترق روحها، ذكرتِ أن أحدهم سياتي قريباً، لن أتركك لوحدك هنا، حتى اطمئن أنكِ بخير.
ثم تابع حديثه، يمكنني إصلاح إطار سيارتك المثقوب، ونحن بإنتظار وصوله، هل لديك إطار احتياطي؟
كانت تراقبه من مرآة السيارة، وهو يصلح الإطار بإحترافية، وعندما انتهى، اتخذ طريقه عائداً إلى سيارته.
فتحت ديانا باب السيارة وناولته منديلاً قماشياً.
–شكراً جزيلاً لك، اسمي ديانا، أعمل سمسارة عقارات.
راح يتأمل فستانها الحريري الأزرق المرسوم على جسدها الأنثوي، وشعرها الأسود الطويل المنسدل على كتفيها، وعينيها الفيروزيتين، وعنقها الزجاجي، ورائحتها الشهية.
مد يده وتناول المنديل، ثم صافحها، وقال:
–اسمي ريان، أعمل محامياً، منزلي يقع بالقرب من هنا.
ردت ديانا:
–لاأعرف كيف أشكرك، لقد كنت في مأزق، وأنت أنقذتني.
أجابها بابتسامته الساحرة: لاشكر على واجب، هل أنت متفرغة غداً؟، أيمكنني دعوتك إلى العشاء في المكان الذي تختارينه سيدتي؟.
صمتت فترة، ليس تردداً، لكن لأنها لم تصدق ماتسمعه الآن، ظنت أنها في أحد أحلامها المعتادة، حيث تقابل الأمير الوسيم، ويعجب بها ويأخذها إلى موعد حالم.
أعادها من صدمتها صوته الدافئ: يبدو أن لديك مايشغلكِ، لا عليكِ..
استدركت ديانا: موافقة.. في أي ساعة ستحضر؟
تكررت بعد تلك الليلة السهرات. كانت تشعر أنها تحلق فوق الغيوم، تنتظر الليل لتقابله، تستمع اليه بإنصات، تضحك على نكاته، تتسكع معه في الطرقات، يأكلان يضحكان يتجادلان، لم يعد بإمكانهما الإستغناء عن بعضهما، في إحدى المرات دعاها لزيارة منزله، وأخبرها بأنه يحضر لها مفاجأة سارة.
القمر يبدد بنوره الفضي ظلمة الليل، الكون يعزف مقطوعة الصمت، والعالم بأسره ينصت، تتسلل الأحلام بخفة كراقصة باليه.
أمام منزل ريان كانت ديانا تضغط زر الجرس، فتح لها ريان بوجهه البشوش، ووقف برهة يتأمل جمالها، بفستانها الأبيض المطرز بالدانتيل وشعرها الأسود المرفوع وثغرها الشهي.
ناولته علبة الشوكولا التي أحضرتها.
أشار لها بالدخول:
–تفضلي سيدتي، أهلاً بكِ ومرحباً.
اصطحبها إلى شرفة منزله كان قد وضع طاولة صغيرة عليها طبقين وكأسين من العصير ومزهرية فيها ورود ندية.
راحت تتأمل من الشرفة المدينة الغافية في أحضان الليل.
ثم قالت:
–كيف ينامون ملأ جفونهم مطمئنين، ألا يداهمهم الحنين، ألم يعرفوا العشق يوماً؟
رد:
–لا يسهر الليل الا النجمُ والقمرُ،
وعاشقٌ عاش في أجفان السهر.
هل هناك أجمل من أن يكون المرء عاشقاً أيتها الحبيبة، لايشبع ولا يرتوي من الحب.
أتجه نحو الاسطوانات، اختار واحدة ووضعها في الجهاز، دارت الإسطوانة وبدأت ألحان رقيقة تسري في المكان.
وضع يده بحنان حول خصر ديانا، وأراحت كفّها على كَتفه، رقصا معاً في تناغمٍ، تلاقت نظراتهما، عيناهما تلمع فرحاً وأنفاسهما تشتعل شوقاً، ودقّات قلبيهما تزداد…
كان ينظر إليّها بكلّ حبّ، والشوق يفيض من عينيه.
جثا على ركبته، وأخرج من جيبه علبة صغيرة، قدم الخاتم الماسي لديانا، وطلب منها الزواج.
وقفت ذاهلة، لأنها لم تكن تظن أن الامور ستتطور الى هذه الدرجة، أخيراً.. هزت رأسها موافقة.
ألبسها الخاتم في إصبعها، قبل يدها، وراح يلاعب خصلات شعرها، ويتحسس عنقها، ثم التمعت عيناه، وهمس في أذنها،
لدي شيء يناسب هذا العنق البلوري، تعالي معي.
أمام المرآة الطويلة، وقفت تتأمل منظرها، وهي ترتدي الخاتم اللامع، ومن خلفها وقف، مال برأسه باتجاه عنقها، أغمض عينيه، وهو يشم رائحة الكرز الشهية التي تنبعث من مسامها، ويتلمس بشرة عنقها الناعمة الطرية، لم يعد يستطيع المقاومة أكثر.
كانت رائحة الدماء التي تسيل على رقبتها قد أسكرته حد الثمالة، نظر إلى وجهه الشاحب في المرآة، مسح قطرات الدم العالقة على فمه، ثم ابتسم وقال:
–لا أحد يرتوي من الحب، استلقى بجوار الجثة الباردة، ونام بعمق..!!
في ظلمة الليل كان هناك شبح بعباءة سوداء، يتجول بالقرب من الطريق السريع، يضع المسامير، كله شوق لانتظار المحبوبة الجديدة التي كان يراقبها منذ فترة!




