حين يصمت القانون الدولي أمام عدوان الكبار

حين يصمت القانون الدولي أمام عدوان الكبار:
بقلم/الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري
فنزويلا نموذجًا لازدواجية المعايير
ليس في مفردات القانون الدولي ما يُسمّى «هجومًا بربريًا» أو «عدوانًا همجيًا»، فالقانون بطبيعته يتجنب اللغة الأخلاقية الإنشائية، لكنه في المقابل يستخدم مصطلحات أشد دقة وأقسى إدانة: العدوان، انتهاك السيادة، الجرائم ضد الإنسانية، الاختطاف القسري، واستخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية.
والمفارقة أن هذه المصطلحات، رغم وضوحها، تصبح بلا أثر حين يكون الجاني دولةً عظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الثانية الفقرة الرابعة، يضع قاعدة لا تقبل التأويل:
يمتنع جميع الأعضاء عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أية دولة أو استقلالها السياسي.
هذه القاعدة لا تتضمن استثناءً لدولة كبرى، ولا تمنح حصانة لقوة عظمى، ولا تبيح اقتحام دولة آمنة أو اختطاف رئيسها من غرفة نومه تحت أي ذريعة كانت.
ومع ذلك، يصاب المجتمع الدولي بحالة غريبة من الخرس والصمم والعمى، كلما كان مرتكب الجريمة إحدى الدول المتنفذة. فجأة تختفي لغة الإدانة، وتتحول الجرائم الواضحة إلى «خلافات سياسية»، والعدوان الصريح إلى «إجراءات وقائية»، والسيادة الوطنية إلى «تفصيل قابل للتجاوز».
هذه الازدواجية ليست جديدة. فالتاريخ القريب ما زال يحمل مثالًا صارخًا: العراق.
حين دخل النظام العراقي الكويت، تحرك العالم بسرعة مذهلة دفاعًا عن «الشرعية الدولية». لكن ما أعقب ذلك لم يكن إعادة حق فقط، بل تدميرًا منهجيًا للعراق: بنية تحتية سُوّيت بالأرض، جيش أُبيد، شعب حُوصر وجُوّع، ثم احتلال كامل بذرائع ثبت لاحقًا أنها قائمة على الأكاذيب.
هنا لم يعد القانون الدولي أداة عدالة، بل غطاءً سياسيًا لفرض الهيمنة.
واليوم، تُعاد القصة ذاتها مع فنزويلا.
فنزويلا دولة عضو في الأمم المتحدة، ذات سيادة كاملة، بغضّ النظر عن الموقف من نظامها السياسي. لا يوجد في القانون الدولي ما يسمح بتغيير الأنظمة بالقوة، ولا اختطاف القادة، ولا تدمير الاقتصادات، ولا فرض الحصار لإخضاع الشعوب. كل هذه الأفعال تُعد انتهاكات صريحة، لا يمكن تبريرها أخلاقيًا ولا قانونيًا.
أي عذر تحاول الولايات المتحدة اختراعه لتبرير عدوانها على فنزويلا لن يصمد أمام نصوص القانون الدولي، لكنه قد يصمد أمام واقع القوة، وهذا هو جوهر المشكلة. فالقانون يُطبَّق بصرامة على الضعفاء، ويُعلَّق مؤقتًا – أو يُدفن نهائيًا – حين يكون المعتدي قويًا.
الخطر الحقيقي لا يكمن في عدوان دولة بعينها، بل في تحوّل القانون الدولي إلى أداة انتقائية، تُستخدم لمعاقبة من لا يملك القوة، وتُهمل حين يتعلق الأمر بمن يمتلكها. عندها يفقد القانون معناه، وتصبح العصابات أكثر صدقًا، لأنها لا تدّعي حماية الإنسانية ولا تزعم الدفاع عن القيم.
إن ما يجري في فنزويلا ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من شرعنة العدوان باسم النظام الدولي. وحين يُكافأ المعتدي بالصمت، ويُترك المعتدى عليه وحيدًا، يصبح السؤال الحقيقي:
هل ما زال لدينا قانون دولي، أم مجرد ميزان قوة يرتدي قناع العدالة؟




