ليلة الهندسة

🖋️ الشيخ محمد الربيعي
لا شك أنّ هذه الليلة المباركة ( ليلة القدر ) ، لا تمرّ على بعض الناس ممن لا يعرفون قدرها وعظمتها وقداستها ولا يهتمون بها ولا يحيونها بالعمل الصالح، بل إن بعض الناس يحييون هذه الليلة باللهو واللعب وربما يرتكبون فيها بعض المحرمات، فبالنسبة لهؤلاء لا تكون هذه الليلة سوى ليلة عادية لا يشموّن رحيقها ولا يتذوقون من رحقيها ولا يغترفون من معينها وبركتها شيئاً، فهؤلاء هم المحرمون حقاً، فعن أبي عبد الله (ع): قال له بعض أصحابنا ولا أعلمه إلاّ سعيد السمّان: كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر؟ قال: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر” .
وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر(ع):: .. قال قلت: {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي شيء عنى بذلك؟ فقال: العمل الصالح فيها من الصلاة والزكاة وأنواع الخير خير من العمل في ألف شهر ليس منها ليلة القدر، ولولا ما يضاعف تبارك وتعالى للمؤمنين ما بلغوا ولكن الله يضاعف الحسنات” .
محل الشاهد :
فسّر القدر في قوله تعالى:{ ليلة القدر} بأكثر من تفسير، ولكن أقرب التفاسير إلى الصواب هو أن القدر بمعنى التقدير، أو الهندسة كما جاء في بعض الروايات، ففي حديث أبي الحسن(ع) ليونس ( مولى علي بن يقطين): “.. أوتدري ما قدر ؟ قال: لا ، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء..” ، فليلة القدر هي ليلة التقدير، حيث يقدر الله فيها حوادث السنة بأجمعها إلى العام المقبل في كل ما يتصل بالإنسان من حياة أو موت، من صحة أو مرض، من غنى أو فقر، إلى غير ذلك مما يتصل بالإنسان، {فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا ًمن عندنا}.
وفي الحديث أن عن بعض أصحاب الإمام الباقر(ع) “أنّه سأل أبا جعفر عن قول الله عز وجل: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قال: نعم هي ليلة القدر، وهي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الآواخر فلم ينزل القرآن إلاّ في ليلة القدر، قال الله عز وجل: {فيها يفرق كل أمر حكيم} قال: يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل: خير وشر، طاعة ومعصية، ومولود، وأجل، ورزق، فما قدّر في تلك الليلة وقضي فهو المحتوم ولله عز وجل فيه المشيئة..” .
قال الطبطبائي: وقوله: “ولله فيه المشيئة، يريد به إطلاق قدرته فله أن ينقص القضاء المحتوم وإن كان لا يشاء ذلك أبداً”
محل الشاهد :
اذن ليلة القدر هي ليلة التجارة مع الله
إن إخفاء ليلة القدر في عدة ليالي هو لتوسيع نطاق عمل الخير والاستكثار منه، وما ذلك إلا لكي يحثنا (جلا وعلا) على العبادة في هذه الليالي المباركة كلها، لماذا نجعل العمر يذهب باطلًا؟ ولماذا نترك أيامنا تذهب هدرا؟!
أليس من الأولى أن نجعل لهذا العمر المحدود الفاني قيمة؟ فإذا ما قسناه في مواجهة هذا الكون الهائل الذي يمتد في الآفاق والأبعاد، نلاحظ لا قيمة له ما دام مصيره الفناء والزوال كل شيء في طريقه للفناء إلا وجه الله، ليس أعظم من هو خير من على وجه الأرض وهو نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) الذي جاءه النداء من السماء بقوله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) سورة الزمر الآية (٣۰).
والجبال بحجمها الكبير مصيرها الزوال بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)سورة طه الآية (١۰٥).
مع قصر ذلك العمر المحدود وقلته التي لا تساوي شيئًا مقابلًا بعمر الجبال باستطاعة الإنسان أن يجعل لذلك العمر قيمة…
قد يسأل سائل وكيف يكون ذلك ما دام العمر مدته محدودة وقصيرة؟
الجواب:
إن العمل الذي يمارسه الإنسان عندما يقصد به الوصول لله سبحانه وتعالى، وكسب الرضا الإلهي، بمقدور ذلك الإنسان أن يمد في عمره ليتجاوز الكون كله.
عندما يعمل عملًا بسيطًا يبتغي منه رضى الباري (جلا وعلا) والتقرب منه يكون جزاؤه جنة عرضها السموات والأرض، يستطيع الإنسان عن طريق صدقة قليلة لإطعام جائع أو كسوة يتيم أو قضاء حاجة محتاج بهذا الثمن البسيط يشتري جنة… وما هذه إلّا التجارة الرابحة مع الله. أين نحن عن ذلك؟
هذه الأعمال والحسنات هكذا أجرها طوال عام كامل، الحسنة بعشر أمثالها، إنها تجارة عظيمة ويا له من رب كريم.
كيف إذا أصبحت خلال شهر كامل بأضعاف مضاعفة لا تعد ولا تحصى؟
وكيف إذا جعلت في ليلة هي خير من ألف شهر؟!
روي عن الإمام أبا عبد الله (عليه السلام) يوصي ولده يقول: (إذا دخل شهر رمضان، فاجهدوا أنفسكم فإن فيه تقسم الأرزاق وتكتب الآجال وفيه يكتب وفد الله الذين يفدون إليه وفيه ليلة، العمل فيها خير من العمل في ألف شهر) .
ما قيمة تلك التجارة التي تتاجرها خلال ليالي معدودة.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر الله ما تقدّم من ذنبه» .
إن الإسلام يحثنا على هذه التجارة وهي لمصلحتنا فالله سبحانه غني غير محتاج، كل عمل يرجع بالنفع لنا.
فمفهوم الحضارة الحقيقي والإنساني هي أن يقترن العلم والعمل بالإيمان ليكون الهدف من ذلك هو مرضاة الله أولًا ومنفعة الناس ثانيًا.
فالرضا الإلهي هو الضمان للاستمرارية والمنفعة البشرية.
لذلك على الإنسان أن يلاحظ أنه هل وصل إلى ذلك المستوى من الفيض الإلهي ليدرك تلك الليلة المباركة؟ فإذا كانت النفس ملوثة بالمعاصي والآثام وغيرها هل تكون جديرة لتلقي الرحمة الإلهية هل تدرك تلك الليلة؟
هل استطعنا تطهير نفوسنا؟
وهل نحن مستعدون لنيل المراتب الكمالية؟
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق وشعبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى