نقد الآراء التفسيرية لإبن تيمية في صفات الله تبنّياً علي الآراء التفسيرية للعلامة الطباطبايي

 

 

 

نقد الآراء التفسيرية لإبن تيمية في صفات الله تبنّياً علي الآراء التفسيرية للعلامة الطباطبايي

 

سعيد اميديان دهنو
دعاء فاضل خضير البوحمرة

 

 

 

الملخص
اختلف السلفيون عن معظم علماء الامة الاسلامية في تفسير صفات الله الخبرية السمعية؛ فرأينا ان ندرس الآراء التفسيرية لإبن تيمية في صفات الله ثم نقدها علي أساس الآراء التفسيرية للعلامة الطباطبايي بمنهج وصفي تحليلي؛ فتحصل أن ابن تيمية لا يختلف كثيرا عن الطباطبائي في تفسيره لصفات الله الثبوتية الذاتية كالقدرة والعلم والحياة والارادة ولكنه يبعُد عنه في تفسيره للصفات السمعية الخبرية مثل الاستواء على العرش والعلو واليد والتكلم والوجه حيث يفسرها بنفس معناها الحقيقي ولكن الطباطبائي يحترز عن هذا التفسير ويرى ان في ذلك تجسيم الله والعياذ بالله. فابن تيمية يرى ان العرش موجود حقيقة وعند الطباطبائي أن الاستواء على العرش كناية عن ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها وإصلاح شئونها. كما يرى ابن تيمية في بيانه لعلو الله أن ما اتصف به الله تعالى من العلو، هو العلو الحقيقي الخارجي أما المستفاد من كلام الطباطبايي هو أن العلو والعظمة من الكمال وحقيقة كل كمال له تعالى؛ وفيما يذكر في بعض آيات القرآن الكريم عن يد الله تبارك وتعالى فابن تيمية يعتقد بالتجسيم وبحقيقة اتصاف الله تعالى بهذه الصفة اما الطباطبايي يفسر اليد المنسوبة الى الله تعالى بحسب معنى الجملات والآيات على معان مختلفة كالقدرة والسلطنة والحضور وغيرها من المعاني؛ ثم ان ابن تيمية يرى أن تكلم الله من الصفات الخبرية منسوبة حقيقة الى الله تعالى لكننا لا نعلم بكيفيتها وأما عند الطباطبائي فالمراد بالكلام هو غير نوع الكلام الدائر بيننا الإنسان؛ كما ان ابن تيمية يصف الله حقيقة بالوجه أما الطباطبائي ينزه الله تعالى عن الجسمانية ويفسر كلمة الوجه بما يتلائم مع معنى الآيات المباركة.
الكلمات المفتاحية: الآراء التفسيرية، صفات اللّه، إبن تيمية، العلامة طباطبايي

1. نقد العلامة الطباطبائي لاراء ابن تيمية التفسيرية في صفات الله الثبوتية الذاتية
نبدأ بنقد آراء ابن تيمية لصفات الله الثبوتية حسب رأي العلامة الطباطبائي وذلك بنقل قول ابن تيمية في بعض هذه الصفات.
1-1. القدرة
يرى ابن تيمية في مجموع فتاواه أن الناس كلهم متفقون على ثبوت القدرة لله تبارك وتعالى ولكنهم يختلفون في تفسير هذه القدرة على ثلاثة اقوال والذي يراه هو أن الله تبارك وتعالى قادر بمعنى ان الممتنع لذاته لايمكن ان يتحقق في الخارج ولا يتمكن الذهن من تصوره ثابتا في الخارج (ابن تيمية الحراني، د ت: ج 2، ج 186) فهو يحدد قدرة الله تعالى على الموجودات فقط دون المعدومات ولذلك يعترض على الطائفتين الاولى والثانية ويذكر الاشعري والقاضي ابي يعلى وابن الزاغواني وغيرهم حيث يرون اولئك ان الله تعالى لديه القدرة على الموجود وعلى المعدوم ايضاً ثم يفسر قوله بان الله تعالى قادر على كل شي موجود وعلى كل ما تصوره الذهن موجودا وإن لم يكن موجودا فعلاً في الخارج ویستنتج هذا الرأي من قوله تعالى: إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس: 82) وقوله تعالی: بَلى‏ قادِرينَ عَلى‏ أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (القيامة: 4) وقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (المؤمنون: 18) فهو يرى أن الله قادر على هذه الامور وان لم يفعلها في الخارج (ابن تيمية الحراني، د ت: ج 2، ج 186) ثم يذكر في شرحه للعقيدة الاصفهانية الدليل على قدرته تعالى وهو ايجاده للأشاء حيث لا يمكن كونها بالذات لانه محال بأنه عندئذ تصبح جميع المخلوقات قديمة! فتحصل ان فاعلية الله تعالى بالاختيار (ابن تيمية الحراني، 1415 ق: ص 45) اما العلامة الطباطبائي فهو يرى الله تبارك وتعالى قادر على كل شيء قدير ويسند قوله الى بعض الآيات المباركة التي تحكي قدرته تعالى كما أشار في تفسيره الآية 37 من سورة مباركة الانعام: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً الى أن الله قادر على أن ينزل أي آية شاء، وكيف يمكن أن يفرض من هو مسمى باسم الله ولا تكون له القدرة المطلقة، وقد بدل في الجواب لفظة الرب إلى اسم الله للدلالة على برهان الحكم، فإن الألوهية المطلقة تجمع كل كمال من غير أن تحد بحد أو تقيد بقيد فلها القدرة المطلقة، والجهل بالمقام الألوهي هو الذي بعثهم إلى اقتراح الآية بداعي التعجيز (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏7، ص 70-72) فالمستفاد من كلمات العلامة الطباطبائي في تفسيره للآيات المباركة التي تذكر قدرة الله تبارك وتعالى هو أن الله تعالى قادر على الاطلاق من دون تحديد واعجاز فهو قادر على أي فعل من الخلق والبعث والعذاب والرحمة وغيرها ولا يمكن لأي كائن ان يعجز الله تعالى ويحدد قدرته سبحانه وتعالى.
1-2. الحياة
يرى ابن تيمية في شرحه على العقيدة الاصفهانية ان الله تعالى حي ويستدل على قوله بعلم الله وقدرته وذلك لأنه من المستحيل ان نفترض العلم والقدرة لمن لا حياة له (ابن تيمية الحراني، 1415 ق: ص 46) والعلامة الطباطبائي يرى في حياة الله تبارك وتعالى كما هو عليه عامة المسلمين بل لربما يمكننا القول كافتهم من أن الله تعالى حي ازلي وابدي وهو مصدر الحياة وهو المحيي والمميت (الطباطبائي، 1390 ق: ج‏ 2، ص 328-330) كما يستفاد من الآيات المباركة: اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (البقرة: 255) و استفاد من قوله تعالى: هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ (غافر: 65) أن الله تعالى حي على الاطلاق من دون تقييد لا تقييد عقلي ولا تقييد نقلي ومنه يستفاد ان الحياة الحقيقية لله تبارك تعالى وحده وهذه الحياة لا يتمكن منها الموت والفناء فهو تبارك وتعالى حي بذاته واما ما عداه من الموجودات فحي بإحياء الله تعالى له (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏17، ص 346)
1-3. الارادة
يرى ابن تيمية في مجموع فتاواه الله تعالى ذو ارادة وهو يفعل في الخلق كما يريد (ابن تيمية الحراني، د ت: ج 2، ص 33) كما يستفاد ذلك عنه من الرسالة الاكملية (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 27-29) ثم العلامة الطباطبائي ذيل الآية المباركة: وَ أَمَّا الَّذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً (البقرة: 26) وبعد كلام مبسوط عن الجبر والاختيار والامر بين الامرين وخلال نقله بعض الروايات في البحث الروائي نقل رواية عن امير المؤمنين علي عليه السلام ثم يعلق عليها ويفسرها بكلام يتناسب مع بحث الارادة الالهية (الطباطبائي، 1390 ق: ج‏1 ، ص 98-100) كما فسر ارادة الله تبارك وتعالى في الآية المباركة: قُلْ مَنْ ذَا الَّذي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً (الاحزاب: 17) بأن المستفاد من الآية المباركة هو أن الخير والشر تابع لإرادة الله تبارك وتعالى ولا يمكن الخلل في ارادته تعالى (الطباطبائي، ا1390 ق: ج ‏16، ص 287)
1-4. السمع والبصر
يرى ابن تيمية في العقيدة الواسطية ان جميع ما وصف الله به نفسه لو قال في قوله إنني معكما أسمع وأرى كيف يسمع وكيف يرى لقلنا السمع والرؤية معلوم والكيف مجهول ولو قال كيف كلم موسى تكليما لقلنا التكليم معلوم والكيف غير معلوم (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 8) فهو يثبت السمع لله تعالى ولكنه ينفي العلم بكيفية هذا السمع. أما العلامة الطباطبائي يفسر السمع بالنسبة الى الله تبارك وتعالى ذيل الآية المباركة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتي‏ تُجادِلُكَ في‏ زَوْجِها وَ تَشْتَكي‏ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَميعٌ بَصيرٌ (المجادلة: 1) بأن المراد من السمع هو استجابته تعالى للدعاء و قضاء الحوائج وهذا استعمال رائج (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏19، ص 178) فالذي يستفاد من كلام العلامة الطباطبائي هو أن الله تبارك وتعالى سميع بمعناه المعروف يسمع الاصوات ولكن ليس بمعنى أن له اداة للسع بإسم الأذن الجسمانية وما شابه ذلك بل استجابة الدعوات والعلم بالاصوات والكلام؛ وبالنسبة الى البصر ايضا يفسر هذه الصفة من دون الوقوع في ورطة التجسيم فهو يلتزم بأن البصير كما السميع من اسماء الله تبارك وتعالى وهو بمعنى العلم بالمبصرات وعلى هذا يكون كالسميع من شعب اسم العليم (الطباطبائي، 1390 ق: ج‏1 ، ص 229)
2. نقد العلامة الطباطبائي لاراء ابن تيمية التفسيرية في صفات الله الخبرية السمعية
أما اصل اختلاف ابن تيمية في تفسيره لصفات الله تعالى تكمن في تفسيره لصفات الله الخبرية السمعية وهو ما ندرسه فيما يلي.
2-1. الاستواء على العرش
يرى ابن تيمية في مجموع فتاواه ان العرش موجود حقيقة كما ورد في نص القرآن الكريم وفي السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وهو معتقد السلفيين كما ورد في فتاواه من أن العرش والكرسي موجودان حقيقة وليس مجازاً وذلك مقتضى الكتاب والسنة واجماع علماء السلف (ابن تيمية الحراني، د ت: ج2 ، ص 77) كما نجد ذلك في كتابه العقيدة الحموية الكبرى من أن الرسول صلى الله عليه وآله قد أخبر الامة بالتواتر ان الله تعالى على العرش وأنه فوق السماء وهذا هو القول الأوحد المستفاد من الكتاب ومن السنة وهو المنقول عن الصحابة والتابعين والسف حيث لم نجد في الكتاب ولا في السنة ولا عن الصحابة والتابعين والسلف من يقول ان الله ليس في السماء على عرشه! (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 8-9) ولكن العلامة الطباطبائي يرى غير رأيه؛ فهو يرى أن المقصود من الاستواء على العرش كما في الآية المباركة: ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ (الأعراف: 54) هو أن العرش الالهي ليس بمعناه الحقيقي والا للزم ان يكون حاملا لله وليس محمولا! (الطباطبائي، 1390ق: ج ‏8، ص 148) ثم استمر في كلامه تبيانا لمعنى العرش والهدف من بيان استواء الله تبارك وتعالى على العرش من أن استواء الله تعالى على العرش كناية عن استيلائه على ملكه و قيامه بتدبير الامور (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏8، ص 148-149) ثم يرفض قول السلف أمثال ابن تيمية ويرى ان انزلاقهم عن الحق حدث عندما رأوا ان البحث عن الحقائق الدينية والتطلع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنة بدعة وخروج عن الدين! (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏8، ص 154-156)
2-2. العلوّ
المستفاد من اقوال ابن تيمية في كتابه العقيدة التدمرية في بيانه لعلو الله تبارك وتعالى هو أن ما اتصف به الله تعالى من العلو، هو العلو الحقيقي الخارجي! فيرى ان النصوص دلت على علو الله تعالى وفوقيته وهو المستفاد من العقل والمستفاد من قوله انه في السماء هو أنه في العلو أي ما فوق المخلوقات (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 32-35) أما المستفاد من كلام العلامة الطباطبايي هو ما يفهم من كلماته ذيل الآيات المباركة مثل قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظيمُ (البقرة: 255) حيث يقول أن المقصود من العلو هو الكمال (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏2، ص 336) وفي قول آخر أن الله تعالى علي دونه كل شيء (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏16، ص 373) فيفسر العلو بالكمال والقدرة لا بالعلو الحقيقي.
2-3. اليد
نجد في بعض آيات القرآن الكريم اشارات عن يد الله تبارك وتعالى فقول ابن تيمية في تفسيرها، نفس القول الذي مر عنه في بيان الصفات الخبرية حيث يعتقد بالتجسيم وبحقيقة اتصاف الله تعالى بهذه الصفات كما نقل عنه السحاني من أنه يصرح بتجسيم الله تعالى عن ذلك وأنه يمكن الاشارة الى الله تعالى بالاصابع! لأنه يفسر هذه الصفات الخبرية بمعانيها اللغوية ثم يحاول الخروج من هذا المأزق فيقول أنها ليست كصفات المخلوقين ولكن هذه ذريعة لاتنفعه بعد ما قاله في تفسير صفات الله تعالى (السبحاني التبریزي، 1427 ق: ج ۴، ص ۲۰۵) أما العلامة الطباطبائي فقد فسر اليد ذيل بعض الآيات الكريمة ومنها قوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (المائدة: 64) بأن المراد من اليد المنسوبة لله تعالى في الآية الشريفة هي قدرته او صفة من صفاته الكمالية ولا يراد بها المعنى اللغوي بتاتاً واستعملت على التثنية ليدل على كمال القدرة كما في هذه الآية المباركة او بمعنى الملك والسلطة كما في قوله: فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (يس: 83) أو بمعنى الحضور كما في قوله: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ (الحجرات: 1) ولا نجد في القرآن الكريم استعمال اليد لله تعالى بمعناها اللغوي ابداً (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏6، ص 32) فالعلامة الطباطبايي يفسر اليد المنسوبة الى الله تعالى بغير اليد الجارحة ولكن مع هذا فهي بحسب معنى الجملات والآيات على معان مختلفة كالقدرة والسلطنة والحضور وغيرها من المعاني.
2-4. التكلم
ابن تيمية في كتابه العقيدة الواسطية يرى أن الكلام منسوب حقيقة الى الله تعالى لكننا لا نعلم بكيفيته فالله تعالى كلم النبي موسى عليه السلام ولكننا لا نعلم كيف! (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 8) وفي مجموع فتاواه أنه سئل عن كلام الله وكيفية تكليم النبي موسى عليه السلام الله تعالى فأجاب بأن من قال غير ما نقوله نحن فهو كافر يجب ان يستتاب او ان يقتل! وما نراه هو الحق من ان الله تعالى حقيقة كلم موسى عليه السلام وهو نص الكتاب والسنة واجماع علماء السلف (ابن تيمية الحراني، د ت: ج 3، ص 128) أما بالنسبة الى العلامة الطباطبائي فيمكن استفادة رأي العلامة الطباطبائي في نسبة التكلم الى الله تعالى وكلامه تبارك وتعالى من تفسيره للآيات المباركة التي تذكر كلام الله جل على ومنها قوله تعالى: لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران: 77) حيث يفسره كلام الله تعالى و النظر اليهم هو ابعادهم عن محبة الله تعالى (الطباطبائي، 1390 ق: ج‏3، ص 264-265) وفي قوله تعالى: قالَ يا مُوسى‏ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتي‏ وَ بِكَلامي‏ (الأعراف: 144) بأن المراد من كلام الله تعالى هو ما شافه به الله تعالى من غير واسطة ملك حيث يكشف به مكنون الغيب لا بمعنى الكلام الدائر بين الناس من استعمال الالفاظ واستخدام الاصوات لانتقال المعاني الى السامع لأنه بهذا المعنى يستلزم التجسيم والعياذ بالله؛ وعلى هذا فكلامه للنبي موسى عليه السلام بمعنى ايجاد ارتباطا خاصا كسماع اصوات خاصة في الخارج (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏8، ص 244-245)
2-5. الوجه
قال ابن تيمية في الرسالة الأكملية في بيان المقصود من وجه الله تبارك وتعالى أن الوجه لا يعد من صفات النقص في الشيء (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 12) فابن تيمية لاينفي الصفات الخبرية بحقيقتها عن الله تعالى ولايرى أنه يستوجب الحاجة والافتقار والجهة والتجسيم كما قال أن من ينفي الصفات الخبرية عن الله تعالى فهو على خطأ إذ أن الصفات الخبرية لا تستلزم التركيب (ابن تيمية الحراني، د ت: ص 19-20) فهو لا يستر عقيدته بالتجسيم أن ينسب الوجه واليد والرجل والعلو والاستواء على العرش في السماء حقيقة الى الله تعالى بل يكفر من ينكر هذه الامور. أما بخصوص العلامة الطباطبائي في تفسيره للوجه المنسوب الى الله تعالى في بعض الآيات المباركة فكما هو دأب العلامة الطباطبائي في الصفات السمعية، ينزه الله تعالى عن الجسمانية ويفسر كلمة الوجه بما يتلائم مع معنى الآيات المباركة كما في تفسير قوله تعالى: وَ الَّذينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ (الرعد: 22) حيث قال أن المقصود من الوجه في الآية الشريفة هو الجهة المنسوبة اليه تعالى من العمل أي ان يكون العمل لله خالصا او لغيره (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏11، ص 343-244) كما قال في تفسيره لقول الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (البقرة: 115) بأن المراد من وجه الله، علم الله تعالى وسعة ملكه ولا يراد به معناه اللغوي كما في الانسان من ان له وجهاً يقبل به او يدبر به (الطباطبائي، 1390 ق: ج ‏1، ص 258-259)
النتائج
بعد دراسة الآراء التفسيرية لإبن تيمية في صفات الله تبنّياً علي الآراء التفسيرية للعلامة الطباطبايي توصلنا الى النتائج التالية:
1. يرى ابن تيمية أن الناس كلهم متفقون على ثبوت القدرة لله تبارك وتعالى ولكنهم يختلفون في تفسير هذه القدرة على ثلاثة اقوال والذي يراه هو أن الله تبارك وتعالى قادر بمعنى ان الممتنع لذاته لا يمكن ان يتحقق في الخارج ولا يتمكن الذهن من تصوره ثابتا في الخارج؛ فهو يحدد قدرة الله تعالى على الموجودات فقط دون المعدومات. والمستفاد من كلمات العلامة الطباطبائي هو أن الله تعالى قادر على الاطلاق من دون تحديد واعجاز فهو قادر على أي فعل من الخلق والبعث والعذاب والرحمة وغيرها ولا يمكن لأي كائن ان يعجز الله تعالى ويحدد قدرته سبحانه وتعالى.
2. يثبت ابن تيمية العلم لله تعالى ويفسره ليس بعيدا عن قول المسلمين ثم العلامة الطباطبائي يرى أن الله سبحانه وتعالى يمتنع عليه الجهل وعنده مفاتح الغيب وعلم الله تبارک وتعالى واسع غير محدود أي لا يخفى عليه شي حتى ما يدور في أفكار الناس وما يخفونه في صدورهم من معتقدات وأفكار.
3. يرى ابن تيمية ان الله تعالى حي والدليل على ذلك علمه وقدرته لاستحالة قيام العلم والقدرة بغير الحي والعلامة الطباطبائي يرى في حياة الله تبارك وتعالى كما هو عليه عامة المسلمين من أن الله تعالى حي ازلي وابدي وهو مصدر الحياة وهو المحيي والمميت.
4. يرى ابن تيمية الله تعالى ذو ارادة وهو يفعل في الخلق كما يريد وأما العلامة الطباطبائي فيرى ان الإرادة الإلهية الأزلية تعلقت بكل شي‏ء من العالم.
5. يرى ابن تيمية في السمع و البصر الالهي انه معلوم والكيف مجهول. فهو يثبت السمع والبصر لله تعالى ولكنه ينفي العلم بكيفية هذا السمع؛ والذي يستفاد من كلام العلامة الطباطبائي هو أن الله تبارك وتعالى سميع بمعناه المعروف يسمع الاصوات ولكن ليس بمعنى أن له اداة للمسع بإسم الأذن الجسمانية وما شابه ذلك بل استجابة الدعوات والعلم بالاصوات والكلام؛ وبصير بمعنى العلم بالمبصرات وعلى هذا يكون كالسميع من شعب اسم العليم.
6. يرى ابن تيمية أن العرش والكرسي موجودان حقيقة وليس مجازاً وذلك مقتضى الكتاب والسنة واجماع علماء السلف ولكن العلامة الطباطبائي يفسر الاستواء على العرش بأنه كناية عن الاحتواء على الملك والأخذ بزمام تدبير الأمور واستقرار ملك الله تعالى.
7. يرى ابن تيمية في بيانه لعلو الله تبارك وتعالى أن ما اتصف به الله تعالى من العلو، هو العلو الحقيقي الخارجي؛ أما المستفاد من كلام العلامة الطباطبايي في العلو هو أن العلو والعظمة من الكمال والقدرة لاالعلو الحقيقي.
8. بالنسبة الى اتصاف الله تعالى باليدي يلتزم ابن تيمية بحقيقة اتصاف الله تعالى بهذه الصفة؛ اما العلامة الطباطبايي يفسر اليد المنسوبة الى الله تعالى بغير اليد الجارحة على معان مختلفة كالقدرة والسلطنة والحضور.
9. ان ابن تيمية يرى أن تكلم الله حقيقة لكننا لا نعلم بكيفيتها فالله تعالى كلم النبي موسى عليه السلام ولكننا لا نعلم كيف! أما عند العلامة الطباطبائي فالمراد بالكلام هو ما يكشف به عن مكنون الغيب وأما أن يكون من نوع الكلام الدائر بيننا معاشر الإنسان فلا.
10. ابن تيمية ينسب الوجه واليد والرجل والعلو والاستواء على العرش في السماء حقيقة الى الله تعالى بل يكفر من ينكر هذه الامور أما العلامة الطباطبائي ينزه الله تعالى عن الجسمانية ويفسر كلمة الوجه بما يتلائم مع معنى الآيات المباركة.
المصادر
القرآن الكريم
1. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (1415 ق). شرح العقيدة الأصفهانية. تحقيق إبراهيم سعيداي. الرياض: مكتبة الرشد.
2. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (د ت). الرسالة الأكملية. المكتبة الشاملة.
3. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (د ت). العقيدة التدمرية. المكتبة الشاملة.
4. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (د ت). العقيدة الحموية الكبرى. المكتبة الشاملة.
5. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (د ت). العقيدة الواسطية. المكتبة الشاملة.
6. ابن تيمية الحراني، أحمد بن عبد الحليم. (د ت). مجموع فتاوى ابن تيمية. المكتبة الشاملة.
7. ابن خلكان، احمد بن محمد. (د ت). وفيات الأعيان و أنباء أبناء الزمان. بيروت: دار الفكر.
8. السبحاني التبریزي، جعفر. (1427 ق). بحوث في الملل و النحل. قم: مؤسسة الإمام الصادق علیه السلام.
9. الطباطبائي، محمد حسين. (1390 ق). الميزان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى