آخر الأخبار
ألمقالات

ترامب وشي

ترامب وشي

كتب رياض الفرطوسي

في قلب بكين، التقى “التاجر” و”الحكيم” اليوم وجهاً لوجه، في قمة وصفتها الدوائر السياسية بأنها الأكثر حساسية في العصر الحديث. ورغم أن دونالد ترامب غادر واشنطن بنبرة استغناءٍ واضحة، مدعياً أنه لا يحتاج لوساطة صينية في الملف الإيراني، إلا أن كواليس لقائه بالرئيس “شي جين بينغ” كشفت عن حقيقة لا يمكن القفز فوقها: لا مخرج من أزمة مضيق هرمز إلا عبر البوابة الصينية. فبينما كان ترامب يتحدث بلغة القوة، كانت طهران الحاضر الغائب في القاعة، بصفتها الرقم الصعب الذي حوّلته بكين من مجرد حليف نفطي إلى شريك استراتيجي يمسك بمفاتيح الطاقة العالمية.

لقد أثبتت نتائج اليوم أن إيران نجحت، بذكاء هادئ، في تحويل الضغوط الأمريكية إلى فرصة لتعميق جذورها في “الحزام والطريق”؛ حيث لم تكتفِ بكين برفض عزل طهران، بل جعلت من استقرار الملاحة في هرمز شرطاً موازياً لاستقرار تايوان، في “مقايضة كبرى” أعادت رسم خارطة النفوذ العالمي. وتمخضت هذه الزيارة عن مخرجات حاسمة، بدأت بتوقيع اتفاقيات تجارية ضخمة شملت قطاعات الطيران والزراعة لتهدئة الداخل الأمريكي، وصولاً إلى تفاهمات أمنية بضمانة صينية تقضي ببقاء مضيق هرمز مفتوحاً مقابل تعهد ترامب بعدم تزويد تايوان بأسلحة “كاسرة للتوازن”.

وفي كواليس المفاوضات، كان “المخفي” أعظم؛ فقد حصلت بكين على تعهد أمريكي غير معلن بتخفيف القيود على رقائق الذكاء الاصطناعي، مقابل قيام الصين بـ “كبح جماح” الطموحات العسكرية الإيرانية ومنع وصول تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة إليها. إن جلوس ترامب على طاولة التفاوض بدلاً من المواجهة يعكس انتصاراً غير مباشر للدبلوماسية الإيرانية التي استطاعت أن تجعل من نفسها مصلحة صينية عليا، مما دفع الصحافة الغربية للحديث عن “انكسار حدة القطب الواحد”، بينما رأت الصحف الصينية في هذه القمة تدشيناً لزمن “الاستقرار التشاركي” وتجاوزاً لـ “فخ ثوسيديديس” الذي يهدد بحرب بين القوى الصاعدة والمهيمنة.

وعلى المدى الاستراتيجي، تكرس هذه القمة واقعاً جديداً يمتد لسنوات قادمة؛ ففي الأفق القريب، سيشهد العالم تهدئة اضطرارية تحكمها المصالح الاقتصادية المتبادلة، أما على المدى البعيد، فإن تحوّل إيران إلى “عقدة وصل” دولية برعاية صينية يعني أن قواعد اللعبة في الشرق الأوسط لم تعد تُكتب في واشنطن وحدها. لقد باتت طهران هي من يرسم حدود المناورة بين القطبين، مستندة إلى دهاء بكين وصمودها هي أمام العواصف، لتخرج من هذا اللقاء كلاعب أساسي لا يمكن تقويضه، مؤكدة أن زمن الإملاءات قد ولى لصالح زمن الصفقات المعقدة التي يحركها الحكيم ويوقعها التاجر تحت مظلة التوازن الجديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى