آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ما يشبه الإحتمال!! (مسرودة خارج التجنيس) | شوقي كريم حسن

ما يشبه الإحتمال!! (مسرودة خارج التجنيس) | شوقي كريم حسن

كاتب | عراقي

 

إجعل القلب يهدأ مثل ماء، ولا تترك الروح تتيه في غبار المدن. دلّ خطايَ على دروبٍ لا تعرف إسمي، فأنا غريبٌ حتى عن ظلّي، أحمل وجهي مثل قناعٍ منسيّ في أسواق الأحلام.

يا سيّد الريح، كم مدينةٍ عبرتُها ولم تعبرني، وكم بابٍ طرقتهُ ففتحَ ليَّ وجوهًا دون ملامح. أنا الذي نام على أرصفة الضوء، وصحا وسط عتمةٍ لا تُنادى، أجمعُ شظايا إسمي من أفواه العابرين، ولا أجدني. إن أصبحت المدنُ مرآيا، لماذا لا أرى غير غيابي؟

وإن غدت الطرقُ خلاصًا، لماذا تعيدني الدروب إلى التيه؟!!

خفّف عن صدري عويل المنافي الطويل. زرعتَ في داخلي جهةً واحدة، أعرف من خلالها كيف أصل… أو كيف أضيع ببطء يحيلني إلى مرابع النسيان.

[أغنية ترددها جارتنا المضمخة، بعطور ما عرفتها نسوان قريتنا، المتكئة مثل كورة زنابير على كتف يشان، يصدر أنينًا موجعًا، جعلت نيران كوانين خلواتنا تنسج عليه أردية مخيفة الألوان، يبصرها ليل ذكورة آبائنا باشتهاءٍ مملّ يثير لواعج الأرواح، التي ما شمت، رغم عتق أيامها، غير المسك، وإمّ السودان، والقرنفل.]

يقال إنها جاءت بصحبة جدتها البصيرة وجدها المترهل، مثل ثور دواب، من بلاد الغيلان، بعد حرب أكلت الأخضر واليابس. منذ أن وطئت قدماها تراب القرية، تغيّر إيقاع الأيام، كما لو أن ساعةً خفيّة دُفنت تحت سدرة (سيد نويصر) بدأت بالدقّ. تمشي بخفّة من لا يترك أثرًا، ومع ذلك، آثارها تتكاثر خلفها كأن الأرض تنجب خطواتها.

النساء يتهامسن بأسمائها التي لا تستقرّ على نطقٍ واحد: “المضمّخة”، “بنت الحرب”، “ظلّ الريح”، كأن الإسم يخاف الإلتصاق بها طويلًا.

قالوا: جدتها ترى ما لا يُرى، لا بعينين، إنما بجرحٍ في جبينها يفتح حين يشتدّ الصمت. تقتعد باب البيت، مصغيةً إلى آنين الحصى، تخبرهم عمّن مرّ قبل الفجر، وعن كلبٍ نسي عواءه عند المقبرة، وعن رجلٍ خبّأ خيانته في جيب معطفٍ لم يلبسه بعد.

أما جدها، فيجرّ أيامه مثل عربةٍ عتيقة، متنهّدًا بصوتٍ يشبه صهيل حصان هرم. كلما سعل، تساقط عن صدره غبار طريقٍ لم ينتهِ.

وحدها لم تكُ تشبههم. إن ضحكت، خرج من فمها سرب عصافير ملوّنة، لا تُرى، لكنّ ظلّها يرفرف على وجوه الجالسين، فيصمتون، كأنهم تذكّروا شيئًا لا يريدون تذكّره. وإذا غضبت، انطفأت فوانيس البيوت وكوانينها، حتى تلك التي لم تُشعل بعد.

في الليلة الأولى، نامت القرية على رائحةٍ لم تعرفها من قبل. لم تكُ مسكًا، ولا قرنفلًا، ولا إمّ السودان، بل شيئًا بين المطر حين يخطئ موعده، وجسدٍ يخرج من حلمٍ طويل. استيقظ الرجال على ارتباكٍ لا يُفسَّر، وراحوا يفتّشون في وجوه نسائهم عن شيءٍ تغيّر لم يعثروا عليه. أما النساء، فشعرن بالمرآيا تبتلع الملامح بدلًا من انعكاسها.

[وأنتَ—أيها الذي تكتب من داخل المسرودة—تعرف أن المكوّنات لا تأتي عبثًا، وأن المدن التي عبرتَها لم تعبرك لأنها خائفة من التسرّب إليها مثل ماءٍ في شقوق الجدران. تعرف أن الغربة ليست مكانًا، إنما يدٌ تمتدّ من داخلك لتُبعدك عن روحك. لذلك، حين سمعتَ عنها، لم تسأل من أين جاءت، بل سألت: ماذا تأخذ معها حين ترحل؟ ومتى يكون رحيلها؟!!]

تجلس عند جرف الشاخة، تُدلّي قدميها في ماءٍ لا يجري إلا إذا نظرت إليه. الأطفال يقتربون بحذر، يرمون حجارةً في الماء، فتخرج من العمق وجوهٌ غريبة، تضحك دون صوت، ثم تعود إلى قاعها. تقول:

— لا تخافوا، هذه وجوهكم حين تكبرون…!!

يركضون مذعورين إلى أمهاتهم، يختبئون في صدورٍ لم تعد تعرف كيف تطمئنهم.

مرّت أيام، أو ربما أعمارٌ متنكرة في هيئة أيام. نحن نتعلّم لغةً لا تُدرّس، بل تُقال بالروائح، وتُكتب على الجلد بقشعريرةٍ مفاجئة. أصبح الليل أثقل، لأنه حمل سرًّا لا يستطيع حمله، والنهار شفافًا، حتى إنك ترى من خلاله ما يحدث في الغد.

حين تنزل الشمس ببطء عجوزٍ يتوكأ على عصاه، حدث ما لم يكُ في الحسبان. خرجت من بيتها مرتدية ثوبًا لا لون له، لأنه يحمل الألوان كلها دفعةً واحدة، حيث تعجز العين عن الإمساك به. مشت في الطريق الترابي، تتبعها الريح مثل كلبٍ وفيّ، حتى وصلت إلى حيث يجتمع الرجال لحساب خيباتهم اليومية.

وقفت. لا تقول شيئًا. مبصرة. بنظراتٍ ثقيلة تسقط على الوجوه فتغيّر تضاريسها. بدأ (فصاله الهاشم) بالبكاء، ثم (داخل العبد)، وتبعهم (هارف الخواف). لم يعرفوا لماذا. يبكون كما لو أن نوافذ فُتحت في صدورهم على زمنٍ لا يعرفونه، زمنٍ أخفّ، وأقلّ خوفًا، وأكثر قدرةً على الحلم.

مدّت يدها إلى الهواء، ملتقطةً شيئًا غير مرئي، قائلة بصوتٍ منخفض:

— هذا ما فقدتموه…!!

ولمّا فتحت كفّها، رأوا شيئًا يشبه الضوء، يكاد يسقط. حاول (هارف الخواف) لمسه، لكنه صرخ، كأن يده احترقت ببرودةٍ لا تُحتمل.

منذ تلك اللحظة، تغيّر الحال. تجنّب الرجال الساحة، محمّلين بخوفٍ من أن يروا ما لا يريدون رؤيته. اقتربت النساء منها أكثر، جالسات حولها كمن يتحلّق حول كانونٍ لاهب في ليلة برد، يسألنها عن خفايا لا تُسأل عادة: عن الحبّ الذي لم يكتمل، والرغبات التي دُفنت حيّة، والأجساد التي عاشت دون أن تُمسّ حقًا…!!

تجيب بهدوء. تصمت أحيانًا. وإذا صمتت، طال صمتها حتى يملّ من نفسه، فينقلب إلى حكايات: عن مدنٍ تمشي على قدمين، أنهارٍ تنسى اتجاهها، رجالٍ يتحوّلون إلى أبواب، كلما طرقها أحد، دخل إلى حياةٍ ليست له.

[أنت، يا من تحمل اسمك مثل قناعٍ فاسد، بدأت تشعر بأن المسرودة لا تُكتب، بل تُعيدك إلى شيءٍ تهرب منه. ترى وجودك في المرآيا التي تخافها، فاهمًا أن الغياب ليس نقصًا، إنما امتلاءً لا يُرى. تمشي في الطرقات، ظانًا الابتعاد، لكنك في الحقيقة تقترب، عند اللحظة التي تقف أمامها لتسأل السؤال الذي لا يُقال…]

الليل مائل إلى زرقةٍ خفيفة، تجرّب السماء من خلاله لونًا جديدًا. وجدتها عند الشاخة، ساكنةً مثل مرآةٍ تخاف التلاشي. جلستَ بقربها، دون أن تنظر إليها. طال الصمت، حتى شعرتُ أن الكلمات بدأت تصدأ في فمي.

قلتُ أخيرًا:

— كيف أصل؟!!

ابتسمت، لشيءٍ خلفي، أو ربما في أعماقي، قائلة:

— إلى أين؟!!

تردّدتُ. لم أكُ أعرف الطرق التي مشيتها دون أن تؤدي إلى مكان، إنما إلى شعورٍ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى