مخطوطة الضباب

مخطوطة الضباب | إنعام الحمداني
شاعرة | عراقية
أيُّ ناسكٍ في برجِ الصمت
يجرؤُ أن يفسِّرَ ارتعاشَ البوصلة؟
فالنجومُ لم تعدْ تشيرُ إلى الجهات
بل إلى شقوقٍ في صدرِ الليل.
الفراغُ واسعٌ كعهدٍ قديم
ولا شيء يُصغي
إلا صدى الأسئلة
حين تتكسّرُ على جدارِ المعنى
الأفكارُ
طيورٌ ملوّنة
خرجت من أقفاص الكتب
لكنها حين رأتْ السماء
ممتلئةً بأسلاكٍ غير مرئية
عادتْ تدورُ حول نفسها.
قالت
ما الضيرُ لو أُغلقتْ نوافذُ الأثير
كي لا يسمعَ الهواءُ
ثقلَ الهمسات؟
في أقصى الجهات
مدينةٌ من جليدٍ متوتر
تحتكُّ بظلِّ دبٍّ قديم
وكلما تحرّك الثلج
ارتجفتْ خرائطُ الشتاء.
وفي المدى الآخر
تنينٌ من خزفٍ أحمر
يتعلّمُ الصبرَ
وهو يحصي حباتِ الرمل
في ساعةِ القرن.
بينهما
نسورٌ حديدية
تحومُ فوقَ البحار
لا تبحثُ عن فرائس
بل عن إشاراتٍ في الغيوم.
في قلبِ العالم
سوقٌ بلا جدران
الأرقامُ فيه
تتدافعُ مثل أسراب الجراد
تأكلُ الحقول
ثم ترتدي ثيابَ الازدهار.
الذهبُ صار فكرة
والقمحُ صار احتمالًا
أما الخبز
فصار معادلةً
في دفاتر بعيدة.
في الأزقة
أطفالٌ يرسمونَ الشمس
لكنها تخرجُ في دفاترهم
على شكلِ صفاراتِ إنذار.
وفي النوافذ
أمهاتٌ يطرزنَ الليلَ
بخيوطِ الدعاء
كي لا يسقطَ السقفُ
على أحلامٍ صغيرة.
الغاباتُ تكتبُ رسائلها بالاحتراق
والبحارُ تبتلعُ الحروفَ ببطء
والجبالُ
تتعلّمُ لغةَ الصبر
كي لا تنهارَ تحتَ أقدامِ العجلة.
حتى الريح
لم تعد بريئة
فهي تحملُ في جيوبها
غبارَ مدنٍ
لم تُبْنَ بعد.
وفي السماء
مرايا تدورُ حول الأرض
تجمعُ الهمسات
وتعيدُها
كصدىً بلا ملامح.
الليلُ نفسه
صار شاشةً سوداء
تتراقصُ فوقها
نقاطُ الضوء
كأنها أفكارُ العالم
حين تفكرُ بصوتٍ عالٍ.
يا عمقَ السؤال
حين اجتاحكَ الصخب
كفيضانٍ من الحديد
مددتُ شبكتي
في بحرِ الرموز.
فاصطدتُ
نجمةً مكسورة
قالت
إن العالمَ
ليس إلا رقعةَ شطرنجٍ قديمة
لكن اللاعبين
يبدّلون القواعد
كلما اقتربتْ النهاية.
وأن الضجيج
ليس علامةَ القوة
بل خوفُ المرايا
من رؤية الحقيقة.
وأن المصير
يجلسُ دائمًا
في الزاويةِ المعتمة
ينتظرُ
من يجرؤ على الصمت.
وحين يهدأُ كلُّ هذا
سيأتي ناسكٌ أخير
لا يحملُ كتابًا
ولا خريطة.
سينظرُ إلى الأرض
كما ينظرُ شاعرٌ
إلى بيتٍ ناقص.
ثم يهمس
لم تكن الكارثةُ
في النار
بل في الأصابع
التي ظنتْ
أن اللعبَ بالشرر
مجردُ ضوء.



