آخر الأخبار
منوعات

فيزياء المشاعر: كيف رممت أمطار كوالالمبور ما كسرته ضفاف دجلة؟

فيزياء المشاعر: كيف رممت أمطار كوالالمبور ما كسرته ضفاف دجلة؟

أوس ستار الغانمي

بين ذبذبات الألم وانكسارات الضوء، تنبثق رواية “بين دجلة وكوالالمبور” للكاتبة بنين الجنابي، لتنسج خيوطاً غير مرئية بين قسوة الواقع في العراق وسحر البدايات الجديدة في ماليزيا. وفي هذا العمل الصادر عن “دار شميرام” لعام 2026، نحن لسنا أمام مجرد قصة حب عابرة في بلاد الغربة، بل أمام مختبر إنساني تُصاغ فيه العواطف وفق قوانين الفيزياء، وتتحول فيه الخيبات إلى طاقة دفع نحو النجاح.
من انكسار دجلة إلى احتواء كوالالمبور
تبدأ الحكاية من “سارة”، الباحثة العراقية التي غادرت ضفاف دجلة وهي تحمل في حقائبها أثقالاً لا تُرى؛ خيبة عاطفية كبرى خلّفها “حيدر”، الرجل الذي خذلها في أصعب لحظات ضعفها الصحي والنفسي، وقرر الانفصال قبل “عقد القران” بيومين فقط. سارة، التي قررت أن توصد أبواب قلبها للأبد، سافرت إلى ماليزيا بشعار “أنا آلة مبرمجة للدراسة فقط”، محاولةً تحويل ألمها إلى تفوق أكاديمي في تخصصها المعقد: الفيزياء.
لكن “كوالالمبور” لم تكن مجرد محطة دراسية، بل كانت مسرحاً لقدرٍ لم تخطط له. هناك، وتحت زخات المطر الاستوائي، تلتقي بـ “نور الدين”، باحث الدكتوراه الذي يحمل هو الآخر ندوب خيانة قديمة. هذا اللقاء لم يكن صدفة عابرة، بل كان “تدبيراً” محكماً من رجل قرر أن يكون القطب الذي يجذب شتات هذه المرأة المكسورة.
فيزياء المشاعر
ما يميز رواية بنين الجنابي هو قدرتها الفريدة على تطويع تخصصها كأستاذة فيزياء صرفة لخدمة النص الأدبي. لقد نجحت الجنابي في تحويل القوانين الفيزيائية الجافة إلى نصوص وجدانية. في “بين دجلة وكوالالمبور”، لا تعود قوانين الحركة أو الجاذبية مجرد معادلات في الكتب، بل تصبح فلسفة حياة؛ فالتجاذب بين الأجسام يفسر كيمياء اللقاء الأول، وقوانين الانعكاس والترميم تُستخدم لوصف كيف استعاد نور الدين ثقة سارة بنفسها.
تقول سارة في أحد مقاطع الرواية: “أنا لستُ ذرة تائهة في فضاء موحش، بل أنا كتلة من المشاعر التي خضعت لضغطٍ هائل حتى تحولت إلى ألماس”. هذا الدمج بين الأدب والفيزياء لم يسهّل على القراء فهم القوانين العلمية فحسب، بل أضفى صبغة “عقلانية” على المشاعر العاطفية، مما جعل الرواية مرجعاً أدبياً وعلمياً في آن واحد.
الأبعاد النفسية
تغوص الرواية في قضايا اجتماعية ونفسية شائكة، مارةً عبر “ثقوب سوداء” في حياة الأبناء؛ حيث تسلط الجنابي الضوء على أثر غياب الأب وخيانته، وفقدان حنان الأم الذي يترك فجوات لا تملؤها السنون. سارة تجسد حالة “الانعزال” الدفاعي، ذلك الدرع الذي يرتديه الإنسان لحماية نفسه من تكرار الأذى.
يبرز “نور الدين” هنا ليس كحبيب فقط، بل كـ “عوض” إلهي، وكعائلة بديلة ترمم ما أفسده الدهر. هو الذي لم يكتفِ بمراقبة نجاحها، بل كان المحرك والقوة الدافعة خلف مسيرتها لنيل شهادة الماجستير. وبجانبه يظهر “الخال ميثم”، بئر الأسرار والمخطط الحكيم، الذي حافظ على “نكهة العراق” في الغربة، وكان الجسر الذي عبرت عليه سارة من ماضيها المظلم إلى حاضرها المضيء.
العوض أجمل مما فقدنا
منذ صدور هذا العمل عن دار شميرام، حصدت الرواية ردود فعل إيجابية واسعة. أجمع القراء على أن أجمل ما في العمل هو “علاقة العوض” التي جسدها نور الدين، الذي لم يكتفِ بالحب، بل كان الداعم الأول لسارة في مسارها العلمي. تقول إحدى القارئات في رسالة للكاتبة: “لقد جعلتِنا نحب الفيزياء ونشعر بأنها لغة القلوب، والأهم أنكِ أثبتِّ لنا أن العوض الحقيقي يأتي لينسينا كل مرارة عشناها”.
الرسائل التي وصلت للكاتبة أكدت على فكرة “العائلة الكاملة” التي قد يمثلها شخص واحد، وكيف يمكن للدعم العلمي والعملي من الشريك أن يغير مسار حياة الإنسان بالكامل.
عن الكاتبة
خلف هذا العمل المتكامل تقف شخصية بنين الجنابي، التي جمعت بين عقلانية الفيزيائية وخيال الروائية. الجنابي، أستاذة الفيزياء الصرفة والباحثة في علم الفلك، لم تكتفِ بالعلوم الطبيعية، بل غاصت في سيكولوجية العقل البشري والبرمجة اللغوية العصبية. هذا المزيج الفريد هو ما جعل كتاباتها تتميز بعمق تحليلي يتجاوز السطح، لتقدم لنا رواية تعيد صياغة مفهوم الألم والنجاح.
“بين دجلة وكوالالمبور” هي دعوة لكل امرأة تعرضت لخيبة، بأن النهوض ممكن، وأن الماضي ليس إلا درساً لزيادة النباهة، وأننا في النهاية سنحصل على كل ما نريده إذا ما تسلحنا بالإرادة… وبقليل من قوانين الفيزياء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى