آخر الأخبار
ألثقافة والفن

مراوغة السرد والحكاية: قراءةٌ في رواية (أُغالبُ مجرى النهر) للكاتب سعيد خطيبي | إبراهيم رسول

مراوغة السرد والحكاية: قراءةٌ في رواية (أُغالبُ مجرى النهر) للكاتب سعيد خطيبي | إبراهيم رسول

ناقد | عراقي

 

يُقدمُ الروائيُّ الجزائري سعيد خطيبي روايةً جديدةً لا تستقرّ على وتيرةٍ سرديةٍ واحدةٍ مطمئنَّةٍ, بل تتعرّجُ وتُخفي أكثر ممّا تُظهرُ, تاركةً القارئ في منطقةٍ معلّقةٍ بين اليقين والاحتمال. هنا, يُمارسُ المبدعُ مراوغةً في السرد والحكاية, وتصبح هذه التقنية أداةً جماليةً لكشف المعنى عبر تأجيله حتَّى قراءة الرواية كاملة, عبر نصٍّ يُتقنُ فنّ اللعب السردي غير المباشر, وهذا ميدانٌ يتبارى فيه المبدعونَ ليتفردوا في مسافاتٍ خاصّةٍ بهم, وميدان لا يدخله غيرهم.

هذه الرواية التي نالت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر سنة 2026), تحملُ الوطن الجزائر في نبضها بوصفه النبض الذي يبعث الحياة لسُكانه, وأجدُ أنَّ تثنيةً (المراوغة) قد كانت هي التقنية التي قام السرد عليها في بنائه الكليّ, لهذا سأتناولُ هذه التقنية فقط دون غيرها في هذه المقالة وأجدُ أنَّ قراءةَ عقلية المبدع في طريقته التي انتهى إليها هو ميزةُ النقد الأدبيّ الذي يسألُ عن الآلية أكثر من التأويل الذي هو اشتغالُ النقد الثقافيّ, فما أتناوله هنا, هو نقدٌ أدبيٌ أملُ أنْ يكونَ خالصًا للنقد الأدبي, ذلك العلم الذي يهربُ منه المبدعونَ على اختلاف أجناس وأنواع ما يكتبون, ومحنةُ النقد الأدبي أنَّه غيرُ مقروءٍ كما يقرأ غيره, وهذه المحنةُ يُعاني منها الدرس النقدي والنُقاد كثيرًا, بل المحنة الأشد, حين لا يقرأ المبدعون ذاتهم ما يُكتب في نصوصهم وتلك مصيبةٌ عظمى.

لهذا سأقرأ في هذه المقالة طريقة المبدع في خلقه هذا العمل بالصورة التي انتهى إلينا بها, وأجدُ أنَّه يشتغلُ على تلك الحدود التي تتأرجح بين منطقتي الخيال والحقيقة, إذ تنطلق هذه القراءة من مقاربة سردية تعنى تحليل تقنية بنائية بارزة في الخطاب الروائي وهي تقنية المراوغة بوصفها آلية اشتغال نصّي.

المقصودُ من مفهوم المراوغة هنا في هذا العنوان المقالي, ليس ذلك المعنى المباشر اليومي الشائع المعروف (الخداع أو الالتفات السلبي), بل هو مفهوم جمالي سردي, يشيرُ إلى طريقة اشتغال النصّ في تقديم الحكاية بشكلٍ غير مباشر وغير مستقرّ, أيّ أنّ المعنى لا يُقدم مباشرةً, بل يؤجل ويُترك للقارئ أنْ يُعيد تشكيله وتأويله في عقله, فالنصُّ ليس حقيقة مكتملة, بل يدخل في احتمالات متعددة, وهذا الأسلوبُ يقوم على تجنّب التصريح المباشر وإزاحة المعنى عن مساره الواضح, بحيث لا يقدم الحدث أو الفكرة بشكل خطّي أو مكشوف, بل عبر التلميح والإيحاء, فالسردُ هنا لا يحكي كل التفاصيل, بل يحيلها إلى المتلقي ليكتشفها بنفسه, وهذا ما نجده في الرواية, إذ السارد يدور حول المعنى ويراوغ ويختفي خلف الكلمات وأفعال شخصياته, ونرى أنّ الكاتبَ راوغَ مع المتلقي عبر ظهوره واختفائه, عبر صوته وصوت الشخصية, لدرجة أنّك تحتار بين الصوتين, صوت المؤلف أم صوت الشخصية! ومردُّ هذا إلى التقنية التي استعملها بمهارة, فلهذا يُرجّح احتمال أنْ يكون النص من بقايا ذاكرة مهشمة وتُعاني من تهشمها القديم, فخرج النصّ يبحثُ له عن محطة يستريح عندها ويبّثها همومه.

السؤالُ الذي يلّح هو ما الفائدة من اتخاذ هذه التقنية في السرد الروائي؟ والجوابُ هو لضرورةٍ جمالية صرفة, فالابتعادُ عن السطحية أو العاديّة هو اشتغالٌ جماليٌّ, إذ تمنح المراوغة عمقًا دلاليًا بديلاً عن المباشرة المستهلكة, وثمّة ميزة أخرى مهمة وهي, إشراك المتلقي في صناعة المعنى, بدل تلقّيه جاهزًا وعندها يشعرُ بالمللِ من رتابة النصّ, فالجمالُ يكونُ في المضمر وليس في الظاهر المباشر, ومثال هذا هو القصة التي قدّمها, وعلى نحوٍ أخص, طريقة تلقي موت تومي مخلوف زوج البطلة, فنحنُ قبل الحادثة لم تتضح طبيعة مخلوف لنا, إذ أدهشنا حادثه, وطريقة المحقق في الاستجواب, التي جعلتنا نتساءل هل كان الحادث جريمة أم قضاء وقدر؟ هذه المشاركة هي المراوغة, فالراوي يعرفُ السرّ لكنّه لمْ ينطق به, بل احتفظ بالسرّ وجعلنا نشرّق ونغرّب بالاحتمالات عسى أنْ نهتدي إلى أحدها, وهذا ما يُدعى باللف والدوران بالقرب من المعنى وعدم البوح به مباشرة, فأنت لا تستطيع أنْ تترك الرواية حتَّى تنتهي منها كاملة, لأنَّك أمام لُعبة سردية يمارسها سارد ذكي, يعرفُ أسرار صناعة الفنّ, فالسارد لم يخفِ الحقيقة كلها, بل مارسَ اللعب غير الإخفاء الجزئي للحقيقة من أجل تعميق حضورها فينا, وهو بهذا يحقّق وظيفة العمل الأدبي بوصفه عملًا أدبيًا لا خبرًا صحافيًا, والأدب ينفتحُ على التأويل بعكس الخبر الذي يعتمد الصدق بأيّ صورةٍ كان, يريد الوضوح التام والمباشر.

والمتأمّلُ في دلالة العنوان سيجد فعل المراوغة حاضرًا بكلِّ وضوح, (أغالبُ) التي تعني أقاوم أو أحاولُ أو أُعاكس, مجرى النهر, ومجرى النهر لا يقف عند حدود النهر فحسب, بل قد يكون مجرى الحياة, الواقع, الزمن, أو أي شيء يبدو سيره خطيًا وقويًا لكن السارد البطل هنا يريد أنْ يصارع هذا التيار, فدلالة المحاولة تجعلنا نسأل هل سينتصر أم سيغلب؟ هل يستطيع أنْ يثبت أو ينهار؟ فدلالة مفردة (أغالب) متعددة الأبواب, وكلّها تصلح للعنوان, فهي تدلُ على صراع نفسي وإرهاق شديد بين قدرة الفرد على مواجهة ما هو أكبر قدرة منه, كأنّ الكاتب يريد أنْ يصنع اتجاهًا خاصًا مختلفًا لحياته, ولكنَّ هذا التيار يحمل من الصعوبة ما يُرهق البطل وهنا نحن نمضي مع العنوان ونفكك بمفردة (أغالب) لنجد أننا نرى مصداقها مع الشخصية الرئيسة, الطبيبة والأم الأرملة, التي تحاول أنْ تقاوم ولكن التيار أشد قدرة منها, لكنّها عازمة على المواجهة وفعل المواجهة يدلُ على ما يريده المبدع, فهو لا يريد الخضوع والقناعة, بل يريد الاستمرار في المواجهة حتَّى تكون النتيجة لصالحه, وهذا نجد مثاله في رؤيته في قادة الثورة والاستقلال.

مراوغة الحكاية, يمكن تمثيلها بإزاحتها عن مركزها باستمرار وهذا يتجلّى كلّما حاولنا الاقتراب أكثر, كأنّنا أمسكنا بذروة النصّ وفي لحظةٍ ما, يقفز ويهرب الكاتب ليجعل المعنى يتشظّى منّا ونحاولُ أنْ نواصلَ معه عبر لُعبته التي لا يصارحنا بها, فالسردُ في هذه الرواية ليس مستقيمًا, لأنَّه ناقصٌ وغير مكتمل ومؤجّل وموزَّعٌ بين طبقاتٍ زمنيةٍ مختلفةٍ, فهو تارةً يكون قريبًا من الحاضر وتارة أخرى يرجع إلى الماضي, وفي الحكاية فجوات أهملها عمدًا أو غير عمدٍ ليملأها القارئ بما لديه من خيال ومعرفة, فجوهر الحدث ليس واضحًا على الرغم من قربه منّا, فهو يتصاعد بسرده شيئًا فشيئًا حتَّى يصل الحلّ لكنه لا يقوله بل حينما يصل إلى الذروة نراه ينحرف إلى الجوانب, وكأنّه يوجه بوصلة التلقي نحو افتاح تأويلي حينما يرانا نعيا من الركض وراء الحلّ الذي يحسم لنا المعنى الذي تشكّل من خلال ربط الأحداث بعضها مع بعض, فالحكاية مثل النهر لا تُمسك, بل تنزلق لتبقى دلالة فعل (أغالب) وإلّا فالنهايةُ منسجمةٌ مع البداية ومناسبة لها, فهذا الانزلاق المستمر يجعل الباب مفتوحًا على التأويلات, فالزمن ليس مستقيمًا بل متكسّرًا ومتشظّيًا مثل الذاكرة, وهذا ما يريد أنْ يقوله الكاتب في المجمل, ولكنّ هذا ليس كلّ ما أراد أنْ يقوله! غير أنّ هذه المراوغة، على ما تمنحه من عمقٍ دلالي وجاذبيةٍ فنية، لا تخلو من إشكالٍ نقديّ يستحقّ التوقّف عنده. فالإفراط في تأجيل المعنى كما في هذه الحكاية قد يُفضي أحيانًا إلى إضعاف التوتّر السرديّ بدل تعزيزه، حين يتحوّل الغموض من أداةٍ جماليّةٍ إلى عائقٍ إدراكيّ يربكُ أفق التلقّي. إذ إنّ القارئ، وهو يلاحقُ الخيوطَ المتناثرة، قد يجد نفسه أمام نصٍّ يُراوغ إلى حدّ الانفلات، بحيث تتكاثر الاحتمالات دون أن تتكثّف في بؤرةٍ دلاليةٍ قادرة على لملمة هذا التشظّي.

ومن هنا يبرز سؤال التوازن والتأمّل: إلى أيّ حدّ يمكن للسرد أنْ يظلّ مراوغًا دون أنْ يفقد قدرته على الإقناعِ الفنّي؟ إذ تبدو رواية (أُغالبُ مجرى النهر) واعيةً بهذه الحافة الدقيقة التي تقف عليها، فهي لا تُسقط المعنى كليًا، بل تُبقيه في حالة كمونٍ قابلٍ للاستعادة، غير أنّ بعض مقاطعها تميل إلى إطالة المسافة بين الإشارة والدلالة، الأمر الذي قد يُشعر القارئ بأنّ اللعبة السردية تُدار أحيانًا لذاتها، لا لخدمة التجربة الحكائية.

كما أنّ تداخل الأصوات، على الرغم من ثرائه الجميل، يطرح إشكاليّة التمايز السردي؛ إذ يوشك صوت السارد أنْ يذوب في صوت الشخصيّة، بما قد يُفقد النصّ لحظاتٍ من وضوحه البنائي. صحيحٌ أنّ هذا الذوبان يُسهم في خلق وهم الذاكرة المتشظّية، لكنه في الوقت ذاته يضع القارئ أمام مهمّةٍ تأويليةٍ مضاعفة، قد لا تكون دائمًا مُنتجة بالقدر نفسه,

إنّ هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الجمالية للعمل، بقدر ما تكشف عن طبيعته المغامِرة، التي تُفضّل المخاطرة الفنية على الاطمئنان إلى الأشكال السردية المألوفة. فالرواية، في جوهرها، ليست نصًا يبحث عن اليقين، بل تجربة كتابة تُجسّد القلق ذاته، وتحوّله إلى بنيةٍ سرديةٍ قائمة على التردّد والانزياح.

بهذا، يمكن أنْ ينتهي بنا القول إلى أنَّ مراوغة السرد والحكاية في رواية سعيد خطيبي ليست مجرّد تقنية، بل رؤية جمالية تعكس عالمًا لا يُمكن القبض عليه بسهولة، عالمًا يُشبه مجرى النهر ذاته: لا يُقاوَم إلا بقدر ما يُفلت.

في المحصّلة، لا يمكن قراءة (أُغالبُ مجرى النهر) بوصفها حكايةً تُروى بقدر ما هي تجربةٌ تُعاش داخل اللغة، حيثُ لا يكون السرد وسيلةً لنقل الوقائع، بل أداةً لإعادة تشكيلها وفق منطقٍ مراوغٍ يُقاوم الثبات. إنّ هذه الرواية لا تُقدّم المعنى بوصفه نهايةً محتومة، بل بوصفه أفقًا مؤجّلًا، وكلّ محاولةٍ للقبض عليه تُعيد إنتاجه بصيغةٍ أخرى.

ومن هنا، فإنّ القيمة الحقيقية للعمل الإبداعي لا تكمن في ما يُقال، بل في كيف يُقال، في تلك المسافة الدقيقة بين الإظهارِ والإخفاء، حيثُ تتولّد دلالةٌ لا تُعطى كاملة، بل تُنتزع انتزاعًا عبر فعل القراءة ذاته. وهذا ما يجعل النصّ أقرب إلى اختبارٍ جماليّ لوعي القارئ، لا إلى مجرّد مادةٍ حكائية تُستهلك.

لقد نجح الروائي سعيد خطيبي في أنْ يجعل من المراوغة بِنيةً وزينة، ومن الالتباسِ طاقةً دلاليّة لا نقصًا، بحيثُ تتحوّل الحكاية إلى مجرى لا يُمسك، والسرد إلى فعلِ مقاومةٍ موازٍ لذلك الذي يوحي به العنوان. وهنا تحديدًا، تتجلّى المفارقة: فكما يُغالب البطلُ مجرى النهر، يُغالب القارئُ مجرى المعنى.

إنَّها روايةٌ لا تمنح قارئها الإجابات الجاهزة، بل تُغريه بالأسئلة، ولا تمنحه اليقين التام، بل تدفعه إلى الارتياب المُنتج؛ ولذلك فهي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل ربما تبدأ منها! حيثُ يُدرك القارئ أنَّ ما أفلت منه أثناء القراءة، هو تحديدًا ما يمنحها قدرتها على البقاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى