السماء زرقاء.. حتى خلف خوذ الجنود

السماء زرقاء.. حتى خلف خوذ الجنود
الشاعر | دلشاد عبدالله
أسكِتوا أبواق الحروب
أنه موسم عودة طائر الكركي
الوطن هو وطنهم أيضا.
الأبواق تهدد
كانهيار سقف في حفل موسيقي،
أو دق المسامير في العظام.
بين رمي الزهر والخطوات اللاحقة،
هناك حاجة للصمت.
لا ضرورة للأصوات العالية،
وأنت تدق باب دارك.
الوطن ليس جغرافيا
انه الموهبة،
كالموسيقى.
الأبواق تربك الهدوء في الأجواء
تربك سكون المقابر.
انه موعد نوم الموتى
الوطن هووطنهم ايضا.
الوطن هو تلك الأشياء التي نزركشها نحن على الورق،
وآخرون فوق رمال الشواطئ.
أحيانا
تسمى صخرة أو شجرة أو يسمى باب، وطناً.
أحيانا
المساحات الشاسعة والكبيرة لا تسمى وطناً.
حين كنت طفلاً كان لي كلب وغزالة
ربيت الأول في الزقاق والثاني في عمق الدار
قُتِل الكلب بينما كان يحرس دارنا
إستغلت الغزالة الفرصة وهربت.
كان زقاقنا ترابيا،
بقي آثار التمرغ وبقع الدم
بينما اختفت آثار الحوافر.
الوطن هو الاثنان
الذي يبقى والذي يهرب.
كنا في طريق المدرسة،
نتسلق سورا عاليا لاحد القصور
نقطف الزهور العطرة من حديقته
نضعها متباهين فوق صدور ستراتنا المهترئة.
كنا نمر بمقبرة،
ونقرأ الاسماء فوق الشواهد
لم نكن نعرف أحدا منهم
لم نكن نسيء الى الشواهد
وكأنهم افراد من أهلنا.
ثم،
أصبح القصر وأصبحت الحديقة العطرة والمقبرة معا
وطنا.
لكن حينذاك كنا قد كبرنا
ولم نتسلق الاسوار.
الوطن كان هذه الاشياء الصغيرة
التي تملأ قلوبنا فرحة كل يوم،
وليست الكلمات الرنانة التي لم تكن تعني لنا شيئا.
الوطن ليس ثابتا، بل متحولا
حينما ذهبت لأعيش في بغداد،
كنت أتجول بين المكتبات الكبيرة بجيوب خاوية.
الوطن كان ذلك الكتاب الذي جلَدتُ غلافه خوفا من البعثيين،
كنت أقرأه كل ليلة في شرفة دار الطلبة.
في ليالي العربدة والبوهيمية،
كان الوطن تلك الأغاني المخمورة في ساعات الليل المتأخرة
نرددها في الحانات.
حينما ذهبت لأعيش في بغداد،
أصبح الوطن حافلة بولندية
تنقلني للبيت في ست ساعات.
كانت العودة اطول من الذهاب في كل مرة.
الوطن ليس كائناً كسولا توقظه من النوم بالصراخ
عليك أن تناديه كما وأنك تخاطب قلبك.
الذين يرون الوطن مزدوجاً
من المنفى،
قد أضاعوا وطنهم اصلاً.
إنه ظل يلتصق بك
و هكذا تعيد نفسك وأنت
تتمثل فيه.
الوطن ليس خرقة تلفها حول خاصرتك
بلغة اكثر تجريدا، ليس منشفة تستخدم في الحمَام
انه الحمَام، فيه تتعرى
دون أن تتردد في شيء.
الوطن وهج،
هكذا تحبه وهو يمنحك المتعة،
دون ان يسبب لك الاذى أو الفرحة.




