آخر الأخبار
ألثقافة والفن

في حضرة المرايا | رائدة جرجيس

في حضرة المرايا | رائدة جرجيس


كاتبة | عراقية

 

كنتُ في صالون الحلاقة أنتظر دوري كمن يترقّب إشارةً خفيّة من القدر.

ثلاثُ سيدات وثلاثةُ رجال، لكلٍّ دائرته الصغيرة لكن الدوائر هنا لا تنغلق تتقاطع بلغاتٍ ولهجاتٍ وجنسيّات، كأن المكان خريطةٌ مصغّرة للعالم.

امرأةٌ بملامح شرقية تبتسم بصمت، أخرى لاتينية تضحك بجرأة، وثالثة تحمل هدوءَ الشمال في عينيها.والرجال؟ واحدٌ يراقب المرآة كأنه يعيد كتابة نفسه آخرُ غارقٌ في هاتفه، وثالثٌ يترك لكنته تعبر الهواء قبل أن تُفهم.

العطور تختلط برائحة الشامبو، ورغوةٌ بيضاء تزهر فوق الرؤوس، خصلاتُ شعرٍ تتساقط على الأرض كأشياء فقدت أسماءها. كنتُ أراقبهم وأقول:

بماذا يفكّر كلُّ واحدٍ وهو يسلّم رأسه ليدٍ لايعرفها؟

هل تمنح هذه اللمسة طمأنينةً عابرة، أم تفتح بابا خفيا للبدء من جديد؟.

بين المقصّ والمشط، يمرّ العمر خفيفا.

تنحني الرؤوس قليلا تنكشف الرقاب بلا تردّد، كأننا نقول: خذوا ما زاد، واتركوا لنا ما يكفي لنحلم.

الشعر المتناثر تحت أقدامنا خرائطُ لرحلاتٍ لم نأخذها بعد، وأنا أترك مخيّلتي تمضي وحدها، بلا وجهة بين بلادٍ لا يجمعها سوى هذا المكان…

في تلك اللحظة، لم أكن أنتظر دوري فقط كنتُ أتمرّن على الإصغاء لما تقوله الأجساد حين تصمت اللغات، ولما تهمس به الرغبة الخفيفة في أن نغادر جميعا…اقل ثقلا وأقربَ إلى أنفسنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى