سوق السمك | كوثر حسن جعفر

سوق السمك | كوثر حسن جعفر
قاصة وكاتبة | سورية
على مقربة من شاطئ البحر، حيث تزداد زرقة الماء كلما ضاقت الأرض واتسعت المسافات، يقف سوق السمك الكبير في المدينة. ما إن تدخل، حتى تستقبلك رائحة نفاذة تشد الأنف. صفوف طويلة من السمك اللامع تمتد أمامك، وأصوات الباعة تتعالى فوق الضجيج. كل واحد ينادي على بضاعته، وكل واحد يقسم أن منتجه هو الأفضل.
وقفت عند أحد الباعة أسأله عن السعر. لم يجبني بهدوء، بل صرخ فجأة:
“سأبيعك بأقل من الثمن! سأخسر فقط لأكسر سعر ذاك الرجل!”
ارتفعت الأصوات، تطايرت الاتهامات، وكاد الشجار أن يشتعل. تجمع الناس حولهما، كأنهم ينتظرون عرضًا مسرحيًا حيًا.
اشتريت ما أريد، وبينما أنا أناظر العامل وهو ينظف لي السمك، دخل رجل في الخمسين. ملابسه نظيفة، وسيارته الفارهة متوقفة عند المدخل، لكن رائحة السمك العالقة تحوم حوله.
تجول بين الباعة بخطوات واثقة، فتوقف عند أحدهم، قال شيئاً سريعًا، ثم خرج. الباعة تركوا ما في أيديهم ، كل واحد يحاول أن ينال انتباهه.
اقترب البائع مني، خلع نظارته، مسحها بخرقة، ومال برأسه نحوي:
“أتدرين… هذا الرجل كان غريبًا، لا نعرف من أين هبط علينا، لا أحد يعرفه… وكان مجرد عامل ينظف السمك. لا نعرف كيف صا ر سيد السوق.”
ابتسمت بخفة، ثم خرجت من السوق. عند البوابة ألقيت نظرة أخيرة. رأيت البائعين المتشاجرين يقفون جنبًا إلى جنب، يدخنون ويضحكون، وكأن شيئاً لم يحدث.
في المساء، على شاشة التلفاز، كان الرجل نفسه يلقي خطابه بثقة، والنياشين تلمع على صدره. فجأة، امتلأت ذاكرتي برائحة السمك، تذكرني بكل ما بدا عاديًا يومًا، لكنه ليس كذلك أبداً




