آخر الأخبار
منوعات

منارات الطب في ميسان… سيرة عطاء للدكتور مؤيد جواد الدليمي.

منارات الطب في ميسان… سيرة عطاء للدكتور مؤيد جواد الدليمي.
……………………………………………………………..
في مدنٍ أنهكتها الأوبئة وتحدّت أهلها قسوة الظروف، يبرز أطباءٌ لا بوصفهم مهنيين فحسب، بل رسل رحمةٍ يحملون العلم والإنسانية معًا. ومن بين هذه القامات الطبية، يسطع اسم الدكتور مؤيد جواد الدليمي، الذي ارتبطت مسيرته بتاريخٍ من العمل الدؤوب والتفاني في خدمة أبناء العراق، ولاسيما في محافظة ميسان.
بدأت رحلة الدكتور الدليمي العلمية حين التحق بكلية الطب في جامعة بغداد للعام الدراسي 1964–1965، في زمنٍ كانت فيه دراسة الطب تتطلب عزيمةً استثنائية وإصرارًا لا يلين. وبعد سنواتٍ من الجد والاجتهاد، تخرج في العام الدراسي 1970–1971، ليحمل على عاتقه رسالةً إنسانية قبل أن تكون مهنة.
انطلق في حياته العملية طبيبًا مقيمًا دوريًا متنقلاً بين مستشفيات الناصرية والسماوة، حيث واجه تحديات العمل الطبي في بيئاتٍ متنوعة. ولم يتوقف عند حدود المدن، بل امتدت خدمته إلى القرى والأرياف في ناحية المشرح بمحافظة ميسان، حيث كان الطبيب الأقرب إلى الناس، يخفف آلامهم ويمنحهم الأمل في ظروفٍ تفتقر إلى أبسط الإمكانات الصحية.
ثم واصل مسيرته العلمية والعملية، ليشغل منصب طبيب مقيم أقدم في مستشفى الحميات ببغداد، وهو من أهم المراكز المتخصصة بالأمراض الانتقالية. وقد أهلته خبرته وكفاءته لأن يُوفد إلى عدد من العواصم العالمية، منها موسكو وبراغ وجنيف والقاهرة، حيث تلقى تدريبات متقدمة في مجال الأمراض المعدية والوبائية، مكتسبًا خبراتٍ نوعية أسهمت في صقل مهاراته وتوسيع آفاقه العلمية.
عاد بعدها إلى وطنه محمّلًا بالعلم والتجربة، ليُعيّن مديرًا لمستشفى الحميات في ميسان، وهناك سطر واحدة من أبرز صفحات عطائه. فقد تصدى بكل مهنيةٍ وشجاعة لمختلف الأمراض الوبائية التي كانت تضرب المحافظة، وكان له دورٌ محوري في احتوائها ومعالجة المصابين بها، مستندًا إلى خبرته الواسعة وإحساسه العالي بالمسؤولية.
ولم تكن نهاية هذه المسيرة إلا امتدادًا لمعناها؛ فقد رحل الدكتور مؤيد عن عالمنا، لكنه ترك وراءه إرثًا إنسانيًا ومهنيًا عظيمًا، وقصةً خالدة في الإيثار والعطاء. بقيت أعماله شاهدةً على إخلاصه، وسيرته حاضرةً في وجدان من عرفه ومن انتفع بعلمه وجهده.
إن سيرة الدكتور مؤيد جواد الدليمي ليست مجرد محطاتٍ في حياة طبيب، بل هي درسٌ عميق في الوفاء للمهنة والإنسان. رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ، يضيء الطريق للأجيال القادمة، ويؤكد أن العطاء الصادق لا يموت، بل يتحول إلى ذاكرةٍ نابضةٍ بالحياة، تُروى وتُلهم وتبقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى