آخر الأخبار
ألثقافة والفن

الإحالة النصية في القصة القصيرة جدا (سيناريو محدث) للقاصة إلهام عيسى | د. طارق لعرابي

الإحالة النصية في القصة القصيرة جدا (سيناريو محدث) للقاصة إلهام عيسى | د. طارق لعرابي
ناقد | جزائري

 

تكمن أهمية الدراسة في كونها تسلط الضوء على واحدة من أبرز أدوات الاتساق النصي، وهي الإحالة، عن طريق تطبيقها على نص “سيناريو محدث” للأديبة العربية السورية إلهام عيسى، وتبين مدى وعي الكاتبة في استخدام الإحالات اللغوية التي تسبك النص وتوجه دلالاته.
1: مفهوم الإحالة في اللسانيات النصية:
الإحالة لغةً: جاء في لسان العرب: تحول عن الشيء: زال عنه إلى غيره، وحال الرجل يحول: تحول من وضع إلى آخر. وجاء في تاج العروس: أحال الشيء: تحول من حال إلى حال، وأحال الرجل: تحول من شيء إلى شيء، وأحال الشيء إلى كذا: غيره من حال إلى حال. فالمعنى اللغوي للإحالة يدور مجمله حول التحول، والتغيير، والنقل.
وقد درس النحاة العرب الأوائل الإحالة معتمدين على نظرتهم إلى تصنيف الألفاظ إلى ألفاظ غير مبهمة، لها دلالة لكن لا يعرف لها خارج إلا متى توفر مفسرها، وهذا المفسر قد يكون مقاميا أو مقاليا. وقد أشار سيبويه (180ه) إلى الأسماء المبهمة التي تمثل سمة الإحالة البعدية في قوله:
“فأما المبني على الأسماء المبهمة، فقولك: هذا عبد الله معروفا، فهذا اسم مبعدا يبنى عليه ما بعده وهو عبد الله، ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يبنى عليه أو يبنى على ما قبله.”
ولعل أول من استعمل مصطلح الإحالة لغويا من روادنا الأوائل هو ابن رشيق القيرواني (ت 456ه)، إذ أفرد بابا باسم الإحالة (باب الإحالة والتغيير)، وذكر في باب التضمين: “ومن التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير إشارة، فيأتي به كانت نظم الأخبار أو شبيه به.”
الإحالة النصية اصطلاحا: لم يتفق على تعريف أكاديمي للإحالة سوى ما نجده في الكتب التي عنيت باللسانيات النصية. وقد أشار دي بوجراند في تعريفه للإحالة بأنها: “العلاقة بين العبارات من جهة وبين الأشياء والمواقف في العالم الخارجي الذي تشير إليه العبارات.” ويعرفها كلاماير بأنها: “العناصر القائمة بين عنصر لغوي يطلق عليه (عنصر الإحالة) وضمائر يطلق عليها (صيغ الإحالة).” فالإحالة النصية هي إحالة على العناصر اللغوية الواردة في الملفوظ، سابقة كانت أم لاحقة، بمعنى العلاقات الإحالية داخل النص سواء كانت بالرجوع إلى سابق أو بالإشارة إلى ما سوف يأتي داخل النص.
الإحالة المقامية: تتأثر الإحالة المقامية الخارجية بمقومات سابقة يعيش في كنفها القارئ، إذ تكون مقومات هذه الإحالة اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها، فيتأثر المتلقي بتلك المقومات ويتفاعل معها.
جاء في النص: “ضمير العالم أصيب بنكسة حضارية.”
المحيل: ضمير العالم
المحال إليه: الواقع الحضاري للعالم في هذا الزمان
الوظيفة الإحالية: توسعت الدلالة وتمددت لتتجاوز النص إلى مستوى التأمل في الواقع الحضاري للإنسانية، فمنحت بذلك الكاتبة للنص بعدا فلسفيا وسياسيا واجتماعيا. فتغير القيم وتغول القوة على أجساد وأرواح الضعفاء قيمة هدم للحضارة وتسلط أفكار الغاب وتسللها إلى النفس الإنسانية بفضاعة مقززة، شكلت بها الكاتبة الإطار العام الذي يظهر المطلب الرئيس من نشأة النص حين ربطت اللغة بسياق المقام.
مثال آخر: “المواطن يفترش الأرض والأرصفة.”
المحيل: المواطن
المحال إليه: سكان المدن المهمشون في الحياة الاجتماعية
الوظيفة الإحالية: ربط النص بالواقع الاجتماعي وتعميق البعد الإنساني، بالإشارة إلى الفقر الذي اجتاح المواطن في العالم والعربي خاصة نتيجة سيطرة الأنا الفردي والجمعي لأصحاب القوة والنفوذ والمال، وعودة النظرة الشاحبة للأمن النفسي والغذائي والمجتمعي في العصر الراهن.
الإحالة القبلية: يكون الكلام فيها محالا إلى السابق، لأن الإحالة عندها تعود على مفسر سبق التلفظ به، وهذا النوع من الإحالة الداخلية هو الأكثر استخداما في النص، ووجدناها تقضي حتما العودة إلى الوراء لتحديد مرجع الإحالة. وقد ذكر المحال إليه، وفي هذا نوع من الربط القبلي بين أجزاء النص.
جاء في النص العبارة: “وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات.”
المحيل: هي
المحال إليه: الحكومة
الوظيفة الإحالية: توظيف الضمير عزز تماسك النص واتساقه، وحول الحديث عن الحكومة بطريقة إشارية فنية دقيقة وجهت المتلقي إلى دلالات مرجعية مبتعدة عن التكرار الذي يخل ببنية النص وانسيابية معانيه.
مثال آخر: “إنها فرصة لتطوير تجارته.”
المحيل: إنها
المحال إليه: احتكار الغذاء وخلق أزمة اقتصادية
الوظيفة الإحالية: قبلية تجاوزت بها الدلالة السطحية إلى أخرى غاية في التوليف الرمزي غير المباشر، بالإشارة إلى ممارسات التجار لحرفتهم في ظل الواقع الاقتصادي الهش.
الإحالة البعدية: هي الإحالة التي يكون بها المحال إليه قد جاء بعد المحال، فيكون المتلقي حذرا ويقظا متحسبا منتظرا للضمير أو للجملة المحال إليها. وتعد هذه الإحالة (البعدية) أقل استخداما في النص من الإحالة القبلية لأنها تزيد من قلق القارئ المتلقي وتتركه في حيرة حتى يصل إلى ما يبين ما هو المحال إليه.
مثال: “كان هذا واضحا أن الحقيقة غائبة.”
المحيل: هذا
المحال إليه: الجملة التفسيرية التي تليها
الوظيفة الإحالية: حفزت القارئ على متابعة قراءة النص للوصول إلى المعنى الكامل، ما يخلق توقعا دلاليا آخر، ويستلزم أن يكون المتلقي متمكنا من قراءة النص. وقد أجادت الكاتبة توظيف هذا النوع من الإحالة بإتقان، تجلى ذلك في دفع المتلقي إلى البحث عن المرجع، ودفعه إلى قراءة النص ثانية للبحث عن ترابط واتساق بين أجزاء النص.
ختاما، هذا النص الذي بين أيدينا سيكتب له الخلود بإذن الله كونه يقرأ في كل زمان ومكان، ومنفتحا داله على مدلوله، فتتسع مساحتهما لخلق بؤرة توتر تصدم أفق انتظار القارئ المتلقي، وتحمل كثافة تعبيرية وحمولة دلالية تجعل القارئ يستمتع، فتحدث داخله لذة، وتجعله يتتبع خطواته بلهفة، طارحا قضايا اجتماعية وإنسانية يعايشها في حياته باستمرار.

النص:

العدو:

نفخ في الصفارة الأولى، فارتجفت البناية رقم واحد كعصفور تحت المطر، وكانت التهم تنتظر على الطاولة مثل مفاتيح صدئة تعرف الأقفال مسبقا.

عين الراصد:

زرعت عيونا زجاجية في الزوايا، عيونا تعرف كيف تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها.

المصور:

يعلق وجوه القادة على الجدران كشموس ورقية، قبل أن يهبط المساء عن عروش الكراسي.
الحكومة:

مدت خيامها على عجل كمن يفرش ظله قبل العاصفة، وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات.

التاجر:

احتكر الغذاء وفقا لرؤية وصلات سياسية متسقة، إذ إنها فرصة لتطوير تجارته وتوثيق علاقاته.

القانون:

عاجز عن قول الحقيقة، مهدد بفقدان الحصانة.
حملة الفكر والكتاب منقسمون:
يدون بعضهم مكرهين لأغراض المعيشة والسلامة ما يخدم الساسة ومحتكري سبل الحياة.

ضمير العالم:

أصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك.

المواطن:

يفترش الأرض والأرصفة، يحتفظ بذاكرة حية بعيون تتطلع لاعتناق ثرى الولادة وبقايا حطام الذكريات.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى