آخر الأخبار
ألثقافة والفن

سردية العلاقات المتهورة: تغريبة النفس وهوس الذات.. قراءة في رواية (هوس جيسي) للكاتبة مها شتا | مصطفى جميل شقرة

 

 

صدرت عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع في مصر عام ٢٠٢٥ وبواقع ١٩٠ صفحة، تكشف الرواية عن هشاشة العلاقات الإنسانية وتهورها وهواجس الذات، مستعرضة الحب والفقد والغربة والهروب النفسي، في سرد متداخل يمزج الواقع بالوهم والانكسارات العاطفية والاجتماعية.

بذرةُ العلاقاتِ في تُربةِ العمر

إنّ الإنسان، كلما تقدّم به العمر، بدأت بذرة العلاقات تنشأ في حياته شيئاً فشيئاً، وتتشعّب رويداً رويداً مع مسيرته، ومع كل عامٍ يضاف إلى عمره، تتّسع دائرة هذه العلاقات من حوله؛ بعضها يتّسم بالعمومية العابرة، وبعضها الآخر يكتسي بطابع الخصوصية التي تترك أثرها العميق في النفس.

وأكثر ما يُعني الإنسان في مجتمعه هو علاقته بمن يحيطون به، فجوهر السردية التي نبحث عنها هنا هو تلك العلاقات الخاصة التي تنشأ عن الارتباط، ذلك الارتباط الذي يخضع، بصورة أو بأخرى، لجملة من العوامل والمؤثرات التي قد تعيد تشكيله أو تزعزع استقراره.

ومن خلال هذه العلاقات التي تدفعنا أحياناً إلى التمسك بها وأحياناً أخرى إلى الانفكاك عنها تتجلى تأثيرات الأمور الخارجية، والقرارات المتسرعة والمتهورة، فضلاً عن العادات والتقاليد المكبَّلة بدساتير المجتمع الشرقي، التي قد تدفع إلى الانفصال أو إلى التريث في الاستمرار، كثير من العلاقات قد تفشل، وقد تتحول إلى ندمٍ ووجعٍ وحزن، بل وقد تؤثر تأثيراً مباشراً في مصائر الأشخاص المنخرطين فيها، فتدفعهم مستقبلاً إلى اختيارات ربما تكون أكثر تهوراً من سابقاتها، وكأنها محاولات يائسة للهروب من تهورٍ سابقٍ كان مؤذياً، أو للفرار من حصارٍ وقوقعةٍ فُرضت عليهم.

وهكذا، في سعيهم إلى تخطي الحالة التي عانوها، قد يدفعون أنفسهم إلى ارتباطٍ سريعٍ جديد، ينذر بفشلٍ آخر أو بانتكاساتٍ وهزائم لاحقة، ويولد مزيداً من الحزن والندم وسائر المشاعر السلبية التي تحيط بالشخصية. إنّ هذا كله ينبع من قرارات سابقة اتُّخذت في لحظات تهور، حيث يحيط المجتمع الأفراد بكثير من الأصفاد التي تكبّل التفكير وتحدّ من القدرة على اتخاذ قرارات متأنية، وعندما تصل هذه العلاقات إلى الفشل وقد لا تستمر إلا زمناً قصيراً تكون نتيجة تفكير متسرع وخطوات غير محسوبة، فتنتج عنها عللٌ ومسببات مؤثرة ومؤذية في آنٍ واحد، تغيّر نظرتنا إلى العلاقات الصحية والسليمة.

دوّامةُ التهور حين يصيرُ الدواءُ وجعاً

عندئذٍ، تتحول العلاقات التي اتُّخذت يوماً دواءً وعلاجاً لمرحلة معينة، في محاولة للهروب من انتكاسات الماضي أو خيباته، إلى علاقات صادمة تؤذي صاحبها وتنذر بإشكاليات لاحقة تؤثر في الحياة وفي استمراريتها، تدفع الشخصية مجدداً إلى اتخاذ قرارات للهروب من حالة تؤذيها على المستوى العقلي والنفسي. هذه هي المحصلة النهائية لفشل علاقات قامت بلا تفكيرٍ كافٍ؛ إذ قد تؤثر مباشرة في أشخاصٍ آخرين وُجدوا في تلك الفترة المتهورة، مما يخلق حالة مفصومة عن الواقع.

وهذه الحالة، في مجملها، كارثية؛ ناجمة عن فشل منظومة العلاقات والارتباط الحقيقي، ومسببة لخيبات جديدة قد تبدو غير مرئية، لكنها تتراكم ببطء حتى تتضخم، إنها صدمات واقعٍ غير محسوب، صدمة الفجاءة التي تنهدم فيها العلاقات، فتصبح محكومة بالهواجس، ومع مرور الوقت، وفي خضم هذه الجروح المفتوحة والمؤلمة، تنعكس الاضطرابات بشكل خاص على الأبناء، الذين تغلب لديهم الحالة الشعورية والعاطفية على الفكرية، فتتكون صدمات صغيرة تكبر مع الزمن.

صدى الانهيار حين يرث الأبناءُ ارتجافَ الروح

وتدفع هذه الصدمات الأبناء إلى الهروب من مواجهة المشكلات التي نشأت فجأة، في محاولةٍ للحفاظ على كرامةٍ داخليةٍ مكسورة، فيخلقون عالماً جديداً يحاولون من خلاله الشفاء من حالة تعتريهم كأنها مرضٌ داخلي  عسير العلاج، وهذا المرض هو الوهم الناجم عن عدم فهم حيثيات الواقع الإشكالي الذي نشأ نتيجة فشل منظومة العلاقات والارتباط الحقيقي.

يصبح الكيان البشري كائناً سمعياً بصرياً يتلقى ذبذباتٍ مؤلمة من واقعٍ محيطٍ لا يعكس حقيقته، ولا يستطيع في داخله التحكم بها، فيحوّلها إلى اضطرابات وهواجس تتجلى في صورة كوابيس أو تخييلات، يحاول من خلالها خلق شخصية ثانية تحقق بعض مبتغاها ومرادها، دون أن تؤذي الشخصية الأولى التي تنكفئ على عزلةٍ داخل هذا الوضع المربك.

العنوانُ بوصفه مرآةَ الانقسام ونداءَ الوهم

«هوس جيسي»، تركيبٍ لغوي يتألف من مفردتين، تحمل كلٌّ منهما دلالة نفسية وسردية كثيفة. فالمفردة الأولى، «هوس»، تحيل إلى حالة شعورية قريبة من الهلوسة والوهم، حالة تنتاب الإنسان عقب صدمةٍ ما، فتتشكل بوصفها وهماً عابراً، لكنه قادر على التمدد داخل الوعي واللاوعي معاً، أما المفردة الثانية، «جيسي»، فهي اسم على ما يبدو غريباً عن المجتمع الشرقي، ونادراً ما يُطلق على أبناء البيئة العربية، مما يضفي عليه مسحة اغترابٍ مقصودة، ويمنحه وظيفة رمزية تتجاوز حدود الاسم التقليدي.

إنّ «هوس جيسي» ليس مجرد عنوان وصفي، بل عنوان مركّب يشي منذ البدء ببنية نفسية مأزومة، إنه ليس اسماً لشخصية قائمة بذاتها بقدر ما هو صفة لوهمٍ متجسّد، جيسي في الرواية لا تحضر بوصفها شخصية حقيقية مكتملة، بل بوصفها كياناً وهمياً يتفاعل مع البطلة في عددٍ من المشاهد، وتبني من خلاله الكاتبة سردية بطلتها التي تستمر حتى نهاية الرواية. جيسي، في هذا السياق، هي الهوس الناجم عن البطلة الحقيقية؛ هي الامتداد النفسي لها حين تعجز عن الفعل، وحين تغيب عن الوعي أو تنسحب من مواجهة واقعٍ لا تستطيع تحقيقه.

ومن هنا، يغدو العنوان ليس توصيفاً خارجياً للرواية، بل تجسيداً لحالة مرضية تعتري البطلة، التي تمثل الشخصية الثانوية لياسمين، الشخصية الأصل، التي تدفع بها إلى الواجهة كلما عجزت عن تحقيق أمرٍ ما في الواقع، والعنوان في جوهره، تحقيقٌ عبر الوهم؛ تحقيقٌ لما لا يمكن تنفيذه في الحقيقة إلا من خلال بناء كيانٍ بديل. فالوهم هنا ليس حالة عابرة، بل آلية دفاع نفسي، تتشكّل لتسدّ فجوات الواقع، وتمنح البطلة قدرةً افتراضية على الاستمرار.

كان بالإمكان توسيع الأفق الدلالي بعنوان أكثر إيحاءً، لأنه جاء شبه فاضح لفكرة الرواية ككل، وعتبة كاشفة بوضوح للحدث.

الغلافُ نافذةُ الخروج التي تعود إلى الداخل

أما فيما يخص الغلاف، فقد جاء في هيئة لوحة فنية متناسقة الألوان، مرسومة بكلماتٍ مقتبسة من أحد مقاطع الرواية، بحيث يُقرأ الغلاف كلمةً كلمة، وكأنه نصٌّ بصريٌّ موازٍ للنص الحكائي، وبالنظر إلى دلالاته وتأويلاته، نرى يداً ممدودة إلى خارج النافذة، تتجه نحو فضاء المنزل الخارجي، يقترب منها عصفور مارّ من جوار النافذة، وفي الخلفية شجرةٌ(البيزا) وأبنيةٌ متراصة على طول الحي، هذه العناصر ليست اعتباطية؛ إنها إشارات رمزية إلى الرغبة في الخروج والتحليق خارج حدود الحياة الضيقة.

إنّ اليد الممدودة تجسد توق البطلة إلى الانفلات من الشرنقة التي تؤذيها، ومن الحصار والضيق اللذين يحيطان بها، وهي حركة خروج من مكانٍ مألوف إلى مكانٍ آخر قد لا تنتمي إليه، لكنها تسعى إليه بوصفه أفقاً أكثر انسجاماً مع ذاتها، وتكتمل هذه الرؤية البصرية بحضور الشمس وألوانها، التي تمنح اللوحة امتداداً دلالياً نحو الأمل أو نحو انكشافٍ داخليٍّ ما.

وعلى خلفية الغلاف، نجد امتداداً بصرياً مُضبباً معكوساً للوحة الأمامية، مع إضافة عبارات تتصل بأحداث الرواية. غير أن اليد تختفي تماماً في هذا الامتداد، في إشارةٍ واضحة إلى حالة الوهم التي تعتري ياسمين، وإلى انتقالها من المكان الذي بدأ فضاءً أساسياً للأحداث إلى مكانٍ آخر لم تعد موجودة فيه، إنه انتقال لا يُفهم بوصفه تحرراً حقيقياً، بل بوصفه تداعياً نفسياً ناجماً عن اضطراباتٍ أصابت البطلة، فنقلتها من عالمٍ كانت تعيش فيه إلى عالمٍ آخر ارتحلت إليه هرباً من الصدمة.

وعليه، يتحول المشهد البصري إلى لوحة ذات دلالة نفسية عميقة، تعبّر عن المعاناة الداخلية للبطلة، وعن آلية استمرارها في وهمٍ تتعرف إليه تدريجياً، وتعيد إنتاجه كلما عجزت عن مواجهة واقعها، فالغلاف، كما العنوان، ليسا مجرد إطارين خارجيين للنص، بل مدخلين تأويليين يكشفان عن البنية النفسية التي تقوم عليها الرواية، ويؤكدان أن «هوس جيسي» هو في حقيقته سردٌ لانقسام الذات، وتداعياتها، ومحاولاتها المستمرة للنجاة عبر الوهم.

مرايا الذاكرة وانسياب الهوس

بالانتقال إلى أحداث الرواية والتي تمتد عبر خمسة فصول، تأتي بوصفها رواية مشغولة على الهوس النفسي، كما تخبرنا الكاتبة منذ العتبة الأولى للعنوان، غير أن هذا الهوس لا يُقدَّم في إطار سردي تقليدي، بل يتحول إلى شبكة من الحوارات والمونولوجات الداخلية والتداعيات المرتبطة بعلاقات لم تكن صحيحة في جوهرها، أو ربما لم تكن سوى رهينة وقتٍ ملتبس، ومن هنا تنشأ الرواية باعتبارها نصاً عن الضغوط النفسية التي تعتري الشخصيات، وتؤثر في مشاعرهم وتفكيرهم بعد تعرضهم لوخز الماضي وصدماته التي انعكست على قدرتهم على الاستمرار.

الأحداث متداخلة، تتناوب فيها المشاهد القديمة والجديدة، وتتفرع عنها مسارات متعددة، بحيث تبدو كل شخصية حاملةً لرؤية خاصة تجاه العلاقات وكيفية إدارتها والتحكم بها، والرواية، وإن كانت نفسية الطابع، إلا أنها لا تكتفي بالغوص في أعماق الذات، بل تسلّط الضوء أيضاً على الندامة بوصفها نتيجة حتمية لسلسلة من القرارات المتسرعة أو الخاضعة لضغط العادات والتقاليد.

 تقنيات السرد، فقد اعتمدت الرواية على الفلاشباك، والمونولوج الداخلي، وتداعيات الذاكرة، والتكرار الرمزي، كانت المشاهد تتكامل عبر الشخصيات، بحيث يكتمل الحدث من زوايا متعددة، دون ترك فراغات كبيرة للقارئ، المشهد بدا أحياناً كمرآة تعكس الغرفة كاملة، فلا تترك مساحة واسعة للتأويل، وهو خيار لربما يخدم الطابع النفسي للرواية التي تسعى إلى الإحاطة بالحالة من جميع جوانبها، ولكن هذا النحو لا يعزز مشاركة القارئ بالأحداث كثيراً وتأمله ونثر تساؤلاته.

وجوهٌ متشظية في مرآة الألم

شخصية ياسمين وشخصية جيسي تمثلان في الحقيقة شخصيتين داخل كيان واحد: الحقيقة والوهم، الظل والضوء، الأنا والهو. هذا الانقسام ليس اعتباطياً، بل هو محاولة لخلق ذاتٍ بديلة تهرب إليها البطلة من أوجاع وخيبات لا تستطيع مواجهتها، إنها عملية هروب من واقع أليم كانت قد نسجته بنفسها، وكلما تصادمت مع علاقة تستحضر الماضي الذي ما يزال يرخي ظلاله عليها، لم تكن تكتفي بإغلاق بابه، بل تحاول التعايش معه، والدخول في دهاليزه، حتى وإن عرّضت نفسها لعلاقات حُلُمية أو لتنازلات مؤلمة في سبيل تحقيق احتياجات أو رغبات أو حتى شهوات لا يسمح بها واقعها وشرقيتها.

من هنا، تبدو جيسي أداةً تخييلية للانقضاض على ما تعجز عنه البطلة في الواقع، كفريسةٍ نفسية تحقق عبرها ما لا يمكن تحقيقه علناً، إنها شظايا نفسية ولامرئيات تتشكل في أجواء كابوسية، في محاولة لترميم ما بُتر في الشخصية الأصلية.

وحكيم، فهو الشخصية العاشقة التي تتشكل ملامحها منذ المراهقة، تنمو مشاعره سريعاً، ويتضاعف احتياجه العاطفي مع فقدان والدته المبكر، فينشأ داخله فراغ أمومي يدفعه إلى البحث عن علاقة مبكرة لترميم هذا النقص، غير أن دخوله المبكر في تجربة الارتباط يجعله متردداً بين الرغبة في النجاة بنفسه والهروب من واقع يفرضه الأب، وبين التمسك بعشقه، يهاجر، ويبدأ حياة جديدة، يرتكب بها أخطاء متسرعة ناجمة عن تسليم نفسه مستسلماً للحياة الغربية، تجبره ذكرياته أن يعود وفاءً لوعدٍ قطعه لحبيبته، محاولاً استعادة ذاته، غير أنه يُفاجأ بتحولها وغموضها، مما ينعكس سلباً على علاقته بها لاحقاً.

منعم والد حكيم والجار دوره يعيش تجربة حب لم تكتمل، إذ رفضت من أحبها الارتباط به لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد. يتزوج لاحقاً، لكن زوجته تموت بعد فترة قصيرة، تاركةً له ابناً، تعود حبيبته السابقة وقد مرت بتجربة زواج فاشلة نتيجة قرارات متسرعة إلى حياته، إلا أنه يختار الابتعاد عنها خوفاً من استعادة مشاعر قد تجرّه إلى مزيد من الألم، فيهرب إلى أمريكا برفقة حكيم، وكأن الهجرة هنا شكل من أشكال الهروب النفسي.

إحسان عمة ياسمين وجارة حكيم مثل نموذجاً آخر للصراع بين الرغبة والقيود الاجتماعية، رفضت الارتباط بمنعم بدافع الامتثال للتقاليد، ثم تزوجت سريعاً بقرار متسرع، وندمت، وتطلقت، لم تُرزق بأبناء، فعادت إلى جوار منزل منعم، تستعيد ذكريات حياتها معه، شخصيتها متقلبة، تتنازعها الغيرة حيناً، والحسد حيناً، والندم والحزن حيناً آخر، ثم تتجلى فيها لاحقاً ملامح أمومة تجاه حكيم. إنها شخصية غير مستقرة، تعكس هشاشة القرار حين يُبنى على تهور لا على قناعة داخلية.

أما ليلى، والدة ياسمين، فهي الشخصية الأكثر تشظياً، عملت في مجال التمثيل، ثم تزوجت من رجل عربي، وغادرت إلى العراق، حيث جرت أحداث غيّرت حياتها وأثرت في حياة ابنتها، تعود إلى بلدها، ثم تدخل تجربة زواج جديدة تنتهي بالابتعاد عن ياسمين التي ترفض السكن معها.

خرائط المعنى بين الحب والهروب

تتميز الرواية بتعدد الثيمات والتي يغلب عليها الطالع الاجتماعي ومن أبرز(الثيمات) التي تنهض عليها الرواية:

ثيمة الحب: غالباً ما يفشل، سواء بسبب قرارات متسرعة أو بفعل العادات الشرقية، لكنه يستمر أحياناً بدافع الوهم أو العناد.

ثيمة الوطن: الوطن ليس مكاناً فحسب، بل هو هوية. مغادرته تعني خلع ثوبٍ مألوف وارتداء آخر مختلف بعاداته وتقاليده.

ثيمة الغربة: تتجلى في شخصيات ليلى وابنتها ومنعم وحكيم، حيث تبدو الغربة وجعاً مضاعفاً، خصوصاً حين تكون غربة عن الوطن.

ثيمة الفقد: فقد حكيم لأمه، وفقد ياسمين لأبيها في ظل كذبة عاشت عليها، شكّلا جرحين مبكرين أثّرا في مسار الشخصيتين.

ثيمة العادات والتقاليد: حضرت بقوة في قرارات الشخصيات، وأثّرت في أحلامهم وطموحاتهم.

ثيمة الهروب: تكاد تكون الثيمة المركزية، فكل شخصية تهرب بطريقتها الخاصة.

ثيمة الشفاء: تجلت في فرض حالة وهمية للحياة، كآلية علاج نفسي.

وهناك ثيمات فرعية كالعزلة والحرية والهوية.

نبراتُ القلق والهوى

الحوارات تنوعت بين انفعالية، وهروبية، وقلقة، وأحياناً حالمة، حوارات ياسمين مع جيسي كانت حوارات بين الواقع والوهم، بين القلق والرغبة في التحرر، بين التخبط والنجاة أما حوارات ياسمين مع حكيم فبدت أكثر سلاسة وجمالية، تؤكد الانتماء والحميمية، كذلك حضرت تساؤلات فلسفية حول الواقع والهوية، وفي بعض المقاطع تميل إلى التفسير النفسي الصريح، ما يمنحها طابعاً تقريرياً لحظياً.

شفافية الألم وإيقاع الداخل

اللغة جاءت شعرية في كثير من المقاطع، ملائمة للحالة النفسية للبطلة، واضحة ورصينة وسهلة التلقي، مع بعض المقاطع المكثفة التي تقترب من التدفق الشعوري، هذه رواية نفسية بامتياز، تحتاج إلى لغة شفافة قادرة على نقل اضطرابات الداخل، في بعض المقاطع تُبطئ الإيقاع السردي.

دهاليزُ الماضي ومرآة الحاضر

لا يسير الزمن في خطّ مستقيم، بل يتكسّر عبر الاسترجاع والتداعي، هذا التكسّر ليس مجرّد تقنية شكلية، بل هو انعكاس لحالة ذهنية، فالذاكرة في النص ليست مخزناً ساكناً، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر. والأمكنة في الرواية غالباً ما تكون مغلقة أو محدودة، ما يعزّز الإحساس بالاحتجاز، الفضاء الروائي يتواطأ مع الحالة النفسية؛ فكلما اشتدّ الهوس، ضاق المكان. 

تحررٌ عبر مرايا الوهم

إنها رواية لكل من خاض الصدمات، ولكل من عانى علاقات فاشلة، ولكل من ما زال أسير العادات والتقاليد في قراراته، رواية لأولئك الذين انكسروا داخلياً، وتحولوا إلى كائنات مشروخة تبحث عن ذاتها في مرايا الوهم، تُقرأ لا للاستمتاع بالهوس، بل لتفريغه، ولمحاولة فهمه، وللتعلم من حياةٍ تتكشّف عبر صفحاتها بكل ما فيها من انكسارات، إنها تجربة نفسية متكاملة، تخرج منها كما لو أنك عشت الحالة بكل تفاصيلها.

إذاً الهوس في النص ليس حالة مرضية فقط، بل هو استعارة عن حاجة الإنسان إلى اليقين، إلى التمسّك بشيء يقيه من العدم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى