آخر الأخبار
الرئيسية

بحرٌ أسود | عبد الكريم حمزة عباس   

بحرٌ أسود | عبد الكريم حمزة عباس

كاتب وقاص | عراقي

 

لم أكن قد تجاوزت العاشرة حين نزلت عائلةٌ بغدادية في حيّنا الطيني المتواضع القابع عند حافة الشط، حيٌّ من طينٍ وضيق، تتشابه فيه الوجوه كما تتشابه البيوت،برزت من هذه العائلة فتاةٌ في مثل سني، شديدة البياض

لم يكن وجهها وحده ما يلفت النظر، بل عيناها الواسعتان، الساكنتان،اللتان يغمرهما سوادٌ عميق، سوادٌ لا يشبه ظلمة الليل بقدر ما يشبه عمق الماء، في المرة الأولى التي مرّت فيها أمام بيتنا، رفعت بصرها نحوي، فالتقت عيوننا على نحوٍ خاطف، لكنه كان كافيًا ليوقظ في داخلي اضطرابًا لم أعرف له اسمًا آنذاك.

منذ ذلك اليوم، صار مرورها من زقاقنا حدثًا يوميًا منتظرًا، لم نتبادل كلمةً واحدة، كانت النظرات وحدها تقوم مقام القول، تمتدّ لثوانٍ قليلة، ثم تنقطع، لكنها تترك في النفس أثرًا طويلًا، وكنت، كلما التقت عيوننا أشعر أني مشدودا إلى ذلك السواد الهادئ، كمن يقترب من ماءٍ عميق دون أن يدرك خطورته.

استمرّ هذا الصمت المأهول لعامين كاملين، عامين من الانتظار العابر، والنظرات المقتضبة، وذلك الشعور الغامض الذي كان يكبر معي دون أن أستطيع تعريفه.

وذات مساء، تعثّرت الفتاة قرب باب بيتنا وسقطت، اندفعت نحوها على غير وعي، مددت يدي أساعدها على النهوض، كانت تلك أوّل مرة نكسر فيها المسافة التي ظلّت قائمة بيننا، حين لامستُ يدها، باغتني بردٌ خفيف، كأنني ألمس ماءً لا جسدًا، رفعت رأسها نحوي، وابتسمت ابتسامةً صغيرة، ثم قالت بهدوء:

“شكرًا.”

كانت كلمة عابرة، غير أنها استقرّت في داخلي على نحوٍ غير عابر، كأنها تفتح بابًا لم يُتح له أن يُقال،بعد عدة أيام لم تمر،

ثم شاع في الحيّ أنّ العائلة رحلت على عجل، من غير وداع، ومن غير أن تترك وراءها ما يدلّ عليها.

ذهبتُ إلى البيت الذي كانوا يسكنونه عند حافة الشط، كان خاليًا، مفتوحًا على صمتٍ بارد، كأن الحياة لم تمرّ به قط، وقفت هناك طويلًا، أحدّق في الفراغ، محاولًا أن أفهم كيف يمكن لشيءٍ لم يبدأ فعلًا، أن ينتهي بهذه القسوة.

مرّت الأعوام، وتبدّلت الوجوه، واتّسعت الحياة بما يكفي لتمحو كثيرًا من تفاصيلها الأولى،غير أنّ تلك الصورة ظلّت على حالها، بياضٌ هادئ، عينان واسعتان، وسوادٌ عميق.

وكلما استعدتُ تلك اللحظات، لا أعود الرجل الذي صرتُه، بل ذلك الطفل، واقفًا في زقاقٍ ضيّق، ينتظر مرورًا عابرًا.

وأغرق من جديد

في ذاك البحر الأسود.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى