قراءة وجوديّة في النص الشعري (جروح مؤجّلة) للشاعرة رحاب عبد المقصود

قراءة وجوديّة في النص الشعري (جروح مؤجّلة) للشاعرة رحاب عبد المقصود | حسين السياب
باحث وشاعر | عراقي
ثَمّة نصوص لا تُقرأ، تُستعاد من داخلنا… كأنّها كانت تسكننا قبل أن نلتقيها.
ونصّ الشاعرة رحاب عبد المقصود واحدٌ من تلك الانكسارات المؤجّلة.
منذ السطر الأوّل، لا يضعنا النصّ أمام تجربة حبٍّ عاديّة، يضعنا أمام طقسٍ بدئيّ:
“ككُلِّ العاشقين”
هنا، لا يعود العاشق فرداً، يتماهى مع سلالةٍ كاملة من الهشاشة الإنسانيّة. كأنّ العشق قدرٌ متوارث، لا تجربة شخصيّة. وهذا التعميم ليس اتّساعاً، سقوطٌ في المصير، كما تلمّح إليه رحاب عبد المقصود بذكاءٍ شعريّ.
ثمّ تأتي الصورة المفصليّة:
“تُهَدْهِدُ حوّاءَ في قفصك الصدريّ”
إنّها ليست صورة حنونة كما تبدو، مفارقة موجعة؛
فـ”حوّاء” – بوصفها أصل الحكاية – تتحوّل إلى كائنٍ محبوس داخل القفص الصدري.
أي أنّ الأنثى/ البداية/ الحياة، لم تعد فضاءً، أصبحت أسيرة القلب ذاته.
وهنا، القلب لا يُنقذ… يحتجز، في صياغة تذهب إليها الشاعرة بجرأة رمزيّة واضحة.
إنّ فعل “التهدهد” يوحي بمحاولة تخفيف الألم، يكشف عن عجزٍ خفيّ؛ كأنّ الذات لا تملك سوى التربيت على وجعها، دون القدرة على تغييره، وهو ما تشتغل عليه رحاب عبد المقصود بوصفه جوهر التجربة.
في المقطع التالي، يتحوّل السرد إلى اعتراف:
“تحدّثها عن أوّل جرح/ عن آخر حلم”
وهنا يتجلّى الزمن بوصفه دائرة مغلقة:
البداية (الجرح) والنهاية (الحلم) يتجاوران، لا بوصفهما مرحلتين، كحقيقتين متداخلتين.
فالجرح هو ما يؤسّس الحلم، والحلم هو ما يعيد إنتاج الجرح، ضمن رؤية تُحسن رحاب عبد المقصود تثبيتها داخل النص.
لكن الذروة تتكثّف في:
“عن خيانة الحروف حين نؤمن بها أكثر ممّا ينبغي”
هذه الجملة ليست عابرة، إنّها قلب النصّ الفلسفي.
إنّها تُسائل اللغة ذاتها، لا بوصفها وسيلة تعبير، كخيانة كامنة.
فحين نُفرط في الإيمان بالكلمات، تتحوّل إلى فخّ…
لأنّ اللغة – مهما بلغت – تعجز عن حمل التجربة كاملة.
وهنا، النصّ لا يتّهم الحبيب، يتّهم الحروف، وهو انزياح عميق تشتغل عليه الشاعرة بوعيٍ لغويّ لافت.
ثمّ يأتي الانكسار الهادئ:
“ثمّ تحملها معك إلى المنفى الأوّل”
المنفى هنا ليس جغرافيّاً، وجوديّ. إنّه اللحظة التي ينفصل فيها الإنسان عن براءته الأولى، عن دهشته الأولى، عن يقينه الأوّل. والأخطر أنّه لا يذهب وحده… يحمل “حوّاء” معه،
أي يحمل ذاكرته، رغبته، ضعفه، وخطيئته الأولى، كما تصوّره رحاب عبد المقصود بعمق رمزي.
لكنّ الضربة الأخيرة تأتي في صيغة سؤال:
“دون أن تسألها إن كانت تجيد الفراق؟”
هذا السؤال لا ينتظر إجابة.
إنّه إدانة صامتة.
فالذات لا تكتفي بأن تتألّم، تُورّط الآخر في ألمها دون إذن.
وهنا، يتحوّل الحبّ من مشاركة إلى تحميل… من احتواء إلى إكراه، وهي خاتمة مفتوحة تتركها الشاعرة رحاب عبد المقصود كجرحٍ معلّق.
خلاصة القراءة:
هذا النصّ لا يتحدّث عن الحبّ، يتحدّث عمّا يتبقّى منه بعد أن ينكسر، كما تقدّمه رحاب عبد المقصود برؤية مكثّفة.
إنّه نصّ عن:
هشاشة الإنسان حين يؤمن بما لا يحتمل الإيمان، وعن اللغة حين تخون قائلها، وعن القلب حين يتحوّل من مأوى إلى قفص،
وعن الحبّ حين يصبح منفى.
إنّه نصّ يكتب الجرح لا بوصفه حادثة، كقدرٍ مؤجّل…
يحدث دائمًا بعد فوات الأوان.
النص:
(جروح مؤجلة)
ككُلِّ العاشِقينَ
تُهَدْهِدُ حَوّاءَ في قَفَصِكَ الصَّدْريِّ
تُحَدِّثُها عن أَوَّلِ جُرْحٍ
عن آخِرِ حُلْمٍ
عن خِيانَةِ الحُروفِ
حينَ نُؤمِنُ بها أَكثَرَ ممّا يَنْبَغي.
ثُمَّ، تَحْمِلُها معكَ
إلى المَنْفَى الأوَّلِ
دونَ أنْ تَسْأَلَها
إنْ كانَتْ
تُجيدُ الفِراقَ..!!





