تعب الأمهات.. الحكمة التي يختبئ خلفها الانهاك

تعب الأمهات.. الحكمة التي يختبئ خلفها الانهاك |
سمية زكي البطاط
كاتبة وإعلامية | عراقية
الأمومة مسؤولية تُلقى في قلب المرأة فجأة، فتجد نفسها مطالبة بأن تكون العالم كله لإنسان صغير: الغذاء، والطمأنينة، واليقظة، والحَدس، والدفء. في البدايات لا تنام كما ينبغي، ولا تأكل كما ينبغي، ولا تفكر في نفسها كما يجب أن تفكر.
تتعلم بسرعة مدهشة كيف تسبق بكاء طفلها بثوانٍ، وكيف تميز بين بكاء الجوع وبكاء الألم، وكيف تستيقظ من أعمق نوم على حركة خفيفة في سرير صغيرها.
في هذه المرحلة، تبدو الأم وكأنها كائن لا ينضب.
طاقة هائلة من العطاء، وصبر يتسع لليل طويل، وقلب قادر على احتمال القلق والخوف والإنهاك دون أن يتوقف.
لكن ما لا يراه أحد أن هذا العطاء لا يأتي من فراغ.
إنه يُقتطع بصمت من جسدها، ومن أعصابها، ومن وقتها، ومن أحلامها الصغيرة التي كانت يوماً تخصها وحدها. سنوات تمر، وتكبر المسؤوليات.
لا يعود الأمر مجرد طفل يحتاج إلى حليب وحنان، بل حياة كاملة تحتاج إلى إدارة تربية، تعليم، حماية، متابعة، وقلق دائم على المستقبل.
تتحول الأم ببطء إلى مركز جاذبية تدور حوله الأسرة كلها.
كل مشكلة تجد طريقها إليها، وكل نقص يُتوقع منها أن تسده، وكل تعب يُفترض أنها قادرة على احتماله، ومع الزمن، تتعلم الأم “مهارة الصمت”.
ليس لأن لديها دائماً إجابات حكيمة، بل لأن التعب علّمها أن تختصر الكلام، وأن توفر طاقتها لما هو أهم، وهنا يبدأ سوء الفهم الكبير.
حين تصبح الأم أكثر هدوءاً، يظن البعض أنها أصبحت أكثر حكمة، وحين تقل شكواها، يظنون أنها أصبحت أكثر رضاً، وحين تبتسم بصمت أمام الفوضى التي كانت ستغضبها في الماضي، يعتقدون أنها وصلت إلى صفاء داخلي نادر.
لكن الحقيقة ليست دائماً كذلك ففي كثير من الأحيان، ما يسمونه حكمة ليس سوى تعب طويل.
وما يسمونه صبراً ليس إلا طاقة استُهلكت حتى آخرها.
الأم التي تبدو هادئة قد لا تكون قد تجاوزت الألم، بل ربما لم تعد تملك القوة الكافية لمقاومته.
هي لا تصمت لأنها فهمت كل شيء بل لأنها استنزفت نفسها في محاولة فهم كل شيء.
وفي لحظة ما من العمر، تقف هذه المرأة التي حملت العالم على كتفيها سنوات طويلة، لتكتشف أنها أعطت أكثر مما كان جسدها وروحها قادرين على احتماله، عندها، يبدأ التعب الحقيقي، لتبدو من الخارج أكثر وقاراً، وأكثر هدوءاً، وربما أكثر حكمة في نظر الآخرين، لكن في داخلها، هناك إنسانة أنهكتها الرحلة، إنسانة لم تعد تطلب الكثير، ليس لأنها زهدت في الحياة، بل لأنها لم تعد تملك الطاقة الكافية لطلب شيء، والمفارقة المؤلمة أن كثيرين لا ينتبهون لذلك، يرون الحكمة، ولا يرون الإنهاك.
يرون الصمت، ولا يسمعون التعب المختبئ خلفه.
لا أحد يتخيل أن هذه المرأة التي حملت الجميع سنوات طويلة قد تصل يوماً إلى لحظة بسيطة ومؤلمة في آن واحد لحظة لا تطلب فيها شيئاً كبيراً، بل فقط بعض الراحة، لأنها ببساطة بعد كل هذا العطاء، قد لا تكون قادرة حتى على رفع يدها.




