آخر الأخبار
ألمقالات

النخيب… وأسئلة السيادة في زمن الانسداد..

النخيب… وأسئلة السيادة في زمن الانسداد..

بقلم //

الكاتب والخبير السياسي

حسن درباش العامري

ما صدر عن بعض المسؤولين الأمنيين حول ما أُشيع من تسلل قوات صهيوأمريكية إلى الصحراء المتاخمة لكربلاء والنجف في منطقة النخيب يفتح باباً واسعاً للتساؤلات، حتى وإن كانت تفاصيل الحادثة ما تزال غير واضحة بالكامل.

فالرواية التي جرى تداولها تقول إن راعي غنم، أثناء تجواله في تلك الصحراء لرعي الأغنام والإبل، رصد وجود قوة عسكرية ترافقها طائرات هليكوبتر قامت بعملية إنزال في المنطقة. وبغض النظر عن طبيعة تلك القوة أو مهمتها – فنحن بطبيعة الحال لا نملك معلومات مؤكدة عنها – إلا أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بماذا كانت تفعل تلك القوات، بل كيف وصلت أصلاً إلى تلك المنطقة؟

أليست هذه الصحراء – كما كنا نسمع دائماً – منطقة محصّنة بسياج عازل، وأسلاك شائكة، وكاميرات رصد حراري، وأفواج من قوات الحدود؟

أليست أيضاً منطقة يُفترض أن تنتشر فيها تشكيلات مختلفة من الأجهزة الأمنية وربما بعض فصائل الحشد الشعبي؟

إن الحديث عن إنزال عسكري في منطقة بهذا المستوى من الحساسية يطرح تساؤلات لا يمكن تجاوزها بسهولة، خصوصاً أن الجميع يدرك حجم التهديدات الإرهابية التي لطالما استهدفت المحافظات الدينية المقدسة، ككربلاء والنجف، وما تمثله هذه المدن من رمزية دينية وسياسية وأمنية للعراق.

وما يزيد من خطورة هذه الروايات هو أنها تأتي في ظرف إقليمي بالغ التوتر. فالمنطقة تعيش على وقع حرب مفتوحة أو شبه مفتوحة، حيث تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، مع اصطفافات إقليمية واضحة ومواقف متشابكة، فضلاً عن الاعتداءات المتكررة التي طالت أكثر من منطقة داخل العراق خلال الفترة الماضية.

في ظل هذا المشهد المعقّد، كان من المفترض أن تكون الدولة العراقية في أعلى درجات اليقظة والاستعداد، وأن تكون الأولوية المطلقة هي تحصين السيادة وحماية الحدود وتأمين الداخل.

لكن الواقع السياسي يقول شيئاً آخر.

فحكومة تصريف الأعمال تبدو منشغلة في حسابات الولاية الثانية، وكأن الكرسي يحمل سحراً خاصاً يجذب الجميع نحوه، فيما يستمر الانسداد السياسي بعد الانتخابات، ويتعطل تشكيل الحكومة الجديدة بسبب الخلافات على منصب رئيس الجمهورية.

هذا التعطيل لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحول إلى عامل إرباك للدولة في لحظة حساسة من تاريخ المنطقة.

فالتأخير في انتخاب رئيس للجمهورية – بحكم العرف السياسي الذي جرى العمل به بعد عام 2003 – بقي رهينة التوافقات الكردية الداخلية، وهو أمر أصبح يعطل استكمال بقية الاستحقاقات الدستورية. وفي وقت يمر فيه العراق بظروف أمنية وإقليمية شديدة التعقيد، يبدو هذا التعطيل نوعاً من الترف السياسي الذي لا يحتمله الظرف الوطني.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع:

أليس من الممكن – استثنائياً – تجاوز هذا الجمود؟

فإذا كان العرف السياسي يقضي بتوزيع الرئاسات الثلاث على أساس المكونات، فلماذا لا يتم – في ظل هذا الظرف الاستثنائي – الذهاب إلى خيار عملي يسرّع تشكيل الدولة؟ كأن يتم اختيار رئيس جمهورية عربي سني مؤقتاً، مقابل استمرار رئاسة الوزراء بيد المكون الشيعي، بما ينسجم مع التوازنات المعروفة، على أن يكون الهدف الأساس هو إنهاء حالة الفراغ السياسي وتحصين الدولة.

إن العرف السياسي وُضع أصلاً لتسهيل إدارة الدولة لا لتعطيلها، ولحماية الاستقرار لا لشلّ مؤسسات الحكم.

فالعراق اليوم لا يملك رفاهية الوقت، ولا يحتمل أن تبقى مؤسساته رهينة الخلافات الحزبية، بينما التحديات الأمنية والإقليمية تتصاعد من حوله.

إن قصة راعي الغنم – سواء ثبتت تفاصيلها أم لا – يجب أن تكون جرس إنذار، يذكّر الجميع بأن الدولة حين تنشغل بصراعات السلطة، تتسع فجوات الأمن.

وحين تتسع فجوات الأمن…

تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور.

وأول تلك الأسئلة:

هل ما زالت الدولة تمسك بحدودها كما ينبغي؟

أم أن الانسداد السياسي بدأ يفتح ثغرات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قد تُكلّف العراق الكثير إن لم تُعالج سريعاً؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى