آخر الأخبار
ألمقالات

مكنونات العقل الثقافي العروبي والمنجز الفكري في سياق التحول

محمد البغدادي
يتشكل العقل الثقافي العروبي بوصفه بنيةً تاريخيةً تراكميةً تتداخل فيها عناصر اللغة والذاكرة والرمزية الدينية مع التجربة السياسية والاجتماعية الحديثة، الأمر الذي يجعله عقلًا يعيش حالة توتر دائم بين الاستمرارية والتغير. فليس المقصود بالعقل هنا القدرة الذهنية الفردية، بل النسق الجمعي الذي ينتج المعاني ويحدد أنماط التفكير ويمنح الشرعية للمعرفة داخل المجال الثقافي. ومن هذا المنظور، فإن مكنونات هذا العقل تكشف عن بنية عميقة قائمة على مركزية الهوية، واستدعاء الماضي بوصفه مرجعًا تفسيريًا للحاضر، في مقابل شعور مستمر بضغط الحداثة ومتطلباتها.
إن العلاقة مع التراث تمثل أحد أكثر عناصر هذا العقل تعقيدًا، إذ يتحول التراث من كونه خبرة تاريخية إلى معيارٍ قيميٍّ يحدد اتجاهات الوعي. وهذا التحول يخلق مفارقة معرفية تتمثل في الجمع بين التقديس والنقد، وبين التمسك بالموروث والسعي إلى تجاوزه. لذلك فإن كثيرًا من الخطابات الفكرية العربية الحديثة لم تكن في جوهرها سوى محاولات لإعادة تأويل التراث بما يسمح بإنتاج شرعية جديدة للواقع المتغير، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول الأصالة والمعاصرة بوصفه جدلًا بنيويًا لا ظرفيًا.
المنجز الفكري العربي، في سياق التغيير التاريخي، يعكس هذه الإشكالية بوضوح، إذ ارتبطت المشاريع الفكرية الكبرى غالبًا بالتحولات السياسية والاجتماعية أكثر من ارتباطها بالتراكم المعرفي المستقل. فالفكر النهضوي، والمشاريع القومية، والاتجاهات الأيديولوجية المختلفة، كانت جميعها استجابات تاريخية لأزمات الواقع ومحاولات لإعادة تشكيله، لكنها لم تتحول في معظم الأحيان إلى منظومات معرفية مستدامة قادرة على إنتاج المعرفة بصورة مؤسسية متواصلة. وهنا تتجلى أزمة العقل الثقافي لا في نقص الأفكار، بل في ضعف شروط إنتاجها وتطبيقها.
كما أن الوعي الثقافي العروبي يحمل بعدًا نفسيًا حضاريًا يتمثل في التوتر بين الإحساس بالعظمة التاريخية والشعور بالتأخر الراهن، وهو توتر يولد أنماطًا من التفكير الدفاعي الذي يركز على إثبات الهوية بدل تطويرها. هذا النمط الدفاعي يعوق التحول من عقلٍ مبررٍ للواقع إلى عقلٍ منتجٍ له، ويجعل المعرفة أداةً للخطاب أكثر من كونها أداةً للتغيير.
إن التحول الحقيقي في المنجز الفكري لا يتحقق عبر استيراد النماذج أو استعادة الأمجاد، بل عبر إعادة بناء آليات إنتاج المعرفة نفسها، أي الانتقال من التلقي إلى الإبداع، ومن التكرار إلى النقد، ومن الوعي الأيديولوجي إلى الوعي العلمي. فالعقل الثقافي الذي يمتلك القدرة على مراجعة ذاته وتفكيك مسلّماته هو وحده القادر على الدخول في مسار حضاري جديد.
وبذلك يمكن القول إن مكنونات العقل الثقافي العروبي لا تمثل عائقًا جوهريًا بقدر ما تمثل طاقة كامنة قابلة للتحول، شرط توافر بيئة تاريخية تسمح بحرية التفكير واستقلال المعرفة وتكامل المؤسسات الثقافية. وعندئذ فقط يمكن للمنجز الفكري أن ينتقل من كونه استجابة للأزمات إلى كونه مشروعًا حضاريًا يصنع المستقبل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى