آخر الأخبار
ألمقالات

حين تدير الهند ظهرها

حين تدير الهند ظهرها

كتب رياض الفرطوسي

ليست زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل حدثاً عادياً يمكن إدراجه ضمن روتين العلاقات الدولية. ما جرى في القدس كان أقرب إلى إعلان موقف سياسي صريح، وربما إعلان هوية سياسية جديدة للهند نفسها. دولة قامت صورتها العالمية طويلاً على إرث حركة عدم الانحياز ودعم قضايا التحرر، تقف اليوم في الكنيست الإسرائيلي لتعلن تضامنها غير المشروط مع إسرائيل في لحظة هي الأكثر دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ عقود.

الهند التي عرفها العالم أيام جواهر لال نهرو كانت تتحدث لغة أخلاقية، لغة الشعوب التي قاومت الاستعمار. أما الهند التي يمثلها مودي اليوم فتتحدث لغة مختلفة تماماً، لغة الأمن والقوة والتحالفات الصلبة، حتى لو كان ثمن ذلك التخلي عن جزء مهم من إرثها السياسي.

في خطابه أمام البرلمان الإسرائيلي، بدا مودي حريصاً على تقديم نفسه حليفاً موثوقاً. لم يكن الأمر مجرد إدانة لهجوم السابع من أكتوبر، بل صياغة موقف سياسي منحاز بالكامل تقريباً. كلمات التعاطف جاءت واضحة ومباشرة، بينما غابت فلسطين تقريباً عن المشهد، وكأن ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال لم يعودوا جزءاً من القصة.

هذا التحول ليس مفاجئاً لمن يتابع السياسة الهندية خلال العقد الأخير. فالهند تحت حكم مودي تتحرك بثقة قوة صاعدة ترى العالم من زاوية المصالح الباردة. إسرائيل بالنسبة لنيودلهي ليست قضية أخلاقية بل شريك مفيد، مصدر للتكنولوجيا العسكرية، وخزان للخبرة الأمنية التي تحتاجها دولة تواجه اضطرابات داخلية مزمنة وتوترات حدودية مع جيرانها.

غير أن ما يثير القلق ليس التعاون العسكري أو التجاري، فهذا شأن طبيعي بين الدول، بل التحول الرمزي والسياسي الذي يرافقه. الهند التي طالما قدمت نفسها وطناً لمئات الملايين من المسلمين، تختار اليوم أن تصطف علناً إلى جانب إسرائيل في أكثر لحظات الصراع حساسية. الرسالة التي تصل إلى هؤلاء ليست سياسية فقط، بل نفسية أيضاً، رسالة تقول إن حسابات القوة تتقدم على اعتبارات العدالة.

الهند الجديدة تبدو مأخوذة بنموذج الدولة الأمنية. هناك إعجاب واضح بالتجربة الإسرائيلية في ضبط المجتمع وتطوير أدوات المراقبة والسيطرة، وكأن تل أبيب تحولت إلى مختبر جاهز تقدم منه الوصفات الأمنية إلى نيودلهي. وفي المقابل تحصل إسرائيل على ما تحتاجه، سوق ضخمة للسلاح والتكنولوجيا، وشريك دبلوماسي ثقيل الوزن يكسر عزلتها الدولية.

المفارقة أن الهند، وهي أكبر ديمقراطية في العالم من حيث الأرقام، تبدو أقل حساسية تجاه معاناة شعب يعيش بلا دولة. هذا التناقض يطرح سؤالاً أخلاقياً يصعب تجاهله، كيف يمكن لدولة خرجت من تجربة استعمارية طويلة أن تتجاهل واقع الاحتلال حين يتعلق الأمر بالمصالح.

المسألة هنا لا تتعلق بالعرب وحدهم، بل بصورة الهند نفسها. فالهند التي كانت يوماً صوتاً للشعوب الضعيفة تخاطر اليوم بأن تصبح مجرد قوة براغماتية أخرى لا تختلف كثيراً عن القوى الكبرى التي انتقدتها في الماضي.

والأخطر أن هذا التحول لا يبدو مؤقتاً. فالعلاقات الهندية الإسرائيلية تتوسع بسرعة، من الصناعات العسكرية إلى التكنولوجيا المتقدمة إلى الممرات التجارية التي تسعى نيودلهي من خلالها إلى تثبيت حضورها في الشرق الأوسط. وكل خطوة جديدة تعني أن المسافة التي تفصل الهند عن مواقفها التقليدية تصبح أكبر.

ربما تعتقد الهند أن مصالحها تقتضي هذا الطريق، لكن الدول الكبيرة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو عدد جنودها، بل أيضاً بقدرتها على الحفاظ على توازن أخلاقي في سياساتها. والقوة التي تفقد حساسيتها تجاه المظلومين تخسر شيئاً من شرعيتها حتى لو ربحت صفقات جديدة.

الهند اليوم تقف عند مفترق طريق واضح. يمكنها أن تكون قوة كبرى تحظى باحترام الشعوب، أو مجرد لاعب ثقيل يتحرك بمنطق المصالح وحده. والفرق بين الطريقين لا يظهر في المؤتمرات والاتفاقيات، بل يظهر في لحظات الاختبار الكبرى.

والقدس كانت واحدة من تلك اللحظات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى