العمارة تنجب أكرم… طبيب الفقراء وسيرة إنسان في زمن الحصار والألم

في ذاكرة العراق، تبقى سنوات الحصار في مطلع تسعينات القرن الماضي واحدة من أكثر المراحل قسوةً وإيلاماً، حيث تكالبت الظروف على العوائل الفقيرة والمتعففة، فصار الحصول على لقمة العيش تحدياً يومياً، فضلاً عن مواجهة المرض الذي كان أشد وطأة في ظل انعدام الدواء وارتفاع تكاليف العلاج. وفي خضم تلك المعاناة، برزت نماذج إنسانية نادرة لأطباء حملوا رسالة المهنة بقلوبٍ عامرة بالرحمة، فكانوا بمثابة نورٍ في عتمة تلك الأيام.
ومن بين أولئك، يبرز اسم الدكتور أكرم عبد حسن، الذي وُلد في مدينة العمارة عام 1954، ليكبر وهو يحمل في داخله حساً إنسانياً عالياً وشعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه أبناء وطنه، ولا سيما الفقراء والمحرومين. تسلّم إدارة المستشفى التعليمي في البصرة في واحدة من أصعب الفترات التي مر بها العراق، فحوّل هذا المكان إلى ملاذٍ للمرضى الذين ضاقت بهم السبل.
كان يبدأ يومه باكراً، وقبل أن تعجّ أروقة المستشفى بالمرضى، يقف بنفسه عند بوابة المستشفى، بوجهه البشوش وقلبه المفتوح، يأمر بتنظيم دخول المراجعين، مقدّماً الفقراء والمتعففين، في مشهد إنساني قلّ نظيره. لم يكن مديراً تقليدياً يجلس خلف مكتبه، بل كان حاضراً بين الناس، يملأ الاستمارات بيده، ويُشرف على توزيع المرضى إلى ردهات المستشفى، بمساعدة طاقم من الممرضين الشباب الذين ساروا على نهجه.
ذاع صيته في المحافظات الجنوبية، حتى صار مقصد المرضى من مختلف المدن، ومنهم أبناء العمارة الذين وجدوا فيه طبيباً لا يُقاس بعلمه فقط، بل بأخلاقه وإنسانيته. كان حضوره يبعث الطمأنينة، وكأن وجوده بحد ذاته علاج.
لكن الحياة لم تمهله طويلاً ليواصل عطائه دون ثمن. ففي عام 2003، ومع سقوط النظام ودخول القوات المحتلة، شهدت البلاد فوضى عارمة. وفي حادثة مأساوية، استهدفت طائرة أحد الأهداف القريبة من منزله في البصرة، فأخطأ الصاروخ هدفه وسقط بالقرب من داره، لينهار البيت على من فيه، ويخطف أرواح اثني عشر فرداً من عائلته، بينهم أحب الناس إلى قلبه.
وقف الدكتور أكرم عبد حسن أمام هذه الفاجعة بثباتٍ نادر، يتفقد من بقي حياً، فلم يجد سوى زوجته ووالده، فيما غاب الباقون تحت الأنقاض، تاركين خلفهم جرحاً لا يندمل. ومع ذلك، لم يستسلم للانكسار، ولم يجزع رغم كثرة الباكين والمعزّين الذين ملأوا المكان.
وبعد أربعين يوماً من الألم، غادر إلى المملكة المتحدة، حيث عاد إلى العمل في أحد المستشفيات التي تخرّج فيها، لكن الحنين إلى وطنه ومرضاه لم يفارقه. لم يستطع الغياب طويلاً، فعاد إلى العراق، حاملاً حزنه في قلبه، وإصراره في روحه، ليواصل رسالته من جديد.
افتتح عيادته الخاصة، فكانت ملاذاً جديداً للفقراء، ومصدر أمانٍ للمرضى الذين اعتادوا على عطائه. لم ينقطع عن العلم، ولا عن المؤسسات التي صقلت خبرته، وظل وفياً لرسالته، كأنما أراد أن يجعل من عمله صدقةً جارية على أرواح من فقدهم.
إن سيرة الدكتور أكرم عبد حسن ليست مجرد قصة إنسان، بل هي شهادة حية على أن القيم النبيلة لا تموت، وأن الرحمة قادرة على الصمود حتى في أقسى الظروف. لقد خسر عائلةً كاملة، لكنه لم يخسر إنسانيته، بل جعل منها جسراً يربط بين الألم والأمل.
وهكذا، يبقى الدكتور أكرم عبد حسن مثالاً يُحتذى به، ورمزاً من رموز العطاء الصامت، الذين لم تُنصفهم الأضواء، لكنهم سكنوا قلوب الناس بصدقهم. رحم الله من فقدهم، وحفظه ذخراً لوطنه، فما أحوج العراق دائماً إلى أمثال هذه القامات التي تُعيد للإنسان معناه، وللمهنة شرفها، وللحياة بعضاً من نورها… ملاحظة الصورة تجمع كلاً من مدير المستشفى العسكري في مدينة العمارة إضافة إلى الدكتور حسين صدام اختصاص أشعة سونار مدير قسم التخطيط والدكتور أكرم عبد حسن والدكتور هاشم الخياط والسيد جبار الجويبراوي مؤلف كتاب تاريخ الطب في ميسان




