الدكتور فيصل السوداني: رحلة الطبيب المبدع من مدارس العمارة إلى قاعات التدريس العالمية

الدكتور فيصل السوداني: رحلة الطبيب المبدع من مدارس العمارة إلى قاعات التدريس العالمية
في مدينة العمارة، تلك الحاضرة الجنوبية التي أنجبت رجال العلم والفكر، وُلدت شخصية علمية وإنسانية تركت أثراً لا يُمحى في ذاكرة الطب العراقي. الدكتور فيصل السوداني لم يكن مجرد طبيب مارس مهنته بإتقان، بل كان رسالة علمٍ تمشي على الأرض، جمع بين المعرفة العميقة، والتواضع الجم، والإخلاص الصادق في خدمة الإنسان.
النشأة والبدايات
ولد الدكتور فيصل السوداني عام 1932 في مدينة العمارة بمحافظة ميسان، في أسرة معروفة بمكانتها الاجتماعية والدينية، فهو ابن الشيخ عبد الرحيم، وشقيق المرحوم المحامي خالد، والحاج عبد الحسين، والحاج هاشم، والشيخ عبد المجيد.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس العمارة، حيث ظهرت ملامح نبوغه مبكراً، ثم قُبل في كلية الطب بجامعة بغداد، ليتخرج عام 1956 حاملاً شهادة MBch.B، واضعاً أولى لبنات مسيرته الطبية المتميزة.
التخصص والتألق في بريطانيا.
بعد إكمال خدمته العسكرية، عُين عام 1958 طبيباً مقيماً في المستشفى الملكي ببغداد، وكان طموحه يتجه نحو التخصص في الجراحة العامة والنسائية والتوليد.
وفي عام 1961، شدّ الرحال إلى المملكة المتحدة طلباً للعلم والتخصص، فتنقل بين عدة مدن، منها كوفنتري في مقاطعة مدلاند، ثم مدن أخرى في إنجلترا وإسكتلندا، وصولاً إلى مدينة توركي الساحلية في جنوب إنجلترا. هناك جمع بين العمل السريري والدراسة الأكاديمية، كما تولى تدريس طلاب الاختصاص في الجراحة العامة والنسائية والتوليد في كليات الطب البريطانية.
حصل خلال تلك المرحلة على شهادات علمية من لندن وادنبره.
العطاء العلمي والمهني في العراق
عاد الدكتور فيصل إلى العراق عام 1969، وانتدب للتدريس في كلية الطب بجامعة بغداد، واستمر فيها حتى عام 1977، كما عمل أخصائياً في وزارة الصحة في مجال الجراحة العامة والنسائية والتوليد، ثم انتدب للتدريس في كلية الطب بالكاظمية.
امتدت خدمته في مستشفيات بغداد لأكثر من ثلاثين عاماً، عُرف خلالها بمهنيته العالية، ودقته العلمية، وحرصه الشديد على طلابه ومرضاه. وقد ترك أثراً كبيراً في نفوس طلبته الذين ما زالوا يذكرونه بإعجاب وتقدير، لما كان يتمتع به من علم رصين وأخلاق رفيعة.
سنوات الغربة والرحيل.
ومع اشتداد ظروف الحصار وتدهور الأوضاع في البلاد، اضطر إلى الهجرة عام 1996 إلى كندا، حيث عاش سنواته الأخيرة بعيداً عن وطنه الذي أحب وخدم بإخلاص، حتى وافته المنية هناك، تاركاً وراءه سيرة عطرة وإرثاً علمياً وإنسانياً باقياً في ذاكرة من عرفه.
إن سيرة الدكتور فيصل السوداني هي قصة طبيب آمن بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وبأن التعليم أمانة قبل أن يكون وظيفة. من مدارس العمارة إلى قاعات التدريس في بغداد وبريطانيا، ومن غرف العمليات إلى قلوب مرضاه وطلابه، ظل اسمه مقترناً بالعلم والإنسانية. وسيبقى مثالاً يُحتذى به في الإخلاص والعطاء، وفخراً لمدينة العمارة التي أنجبت رجالاً حملوا نور المعرفة إلى العالم.




