ما لم ينله الدهر | مجدي الشيخاوي

ما لم ينله الدهر | مجدي الشيخاوي
شاعر | تونسي
يا راحلاً، والقَلبُ فيكَ مُعذَّبُ
والدمعُ من ألمِ الجفا لا ينضُبُ
يومَ استَعدَّتْ للرَّحيلِ حبيبتي
والأهلُ شَدّوا لِلغِيابِ وأغرَبوا
نَظَرَتْ إليَّ، وعينُها مَهْمومةٌ
بِدُموعِها كُلُّ المَحاسنِ تُشْحَبُ
رفعتْ يديها، والأسى في كَفِّها
روحٌ تَئـنُّ وخافقٌ يَـتَعَـذَّبُ
أبصرتُ كفَّ الوجدِ تَعصرُ صَمْتَها
حِينَ الوداعِ.. وللأَسِيَّةِ تُكتَبُ
والكَفُّ تَرْجُفُ بالوَداعِ، وحُزنُها
فوقَ الأناملِ لا يُقاسُ ويُحسَبُ
وهنا افترقنا.. والزَّمانُ يَسوقُنا
لِمَرارةِ الهُجرانِ، حُكماً يُغصَبُ
مَرَّتْ سنينٌ في هواكِ كأنَّها
طَيفٌ سَريعٌ، بلْ وبرقٌ خُـلَّبُ
فإذا بِطيفِ الحُسنِ يَشرِقُ بَغْتةً
بِملامحٍ.. منها الجَمالُ يُعْجَبُ
بِملامِحٍ لا زالَ يسكنُها السَّنا
والحُسنُ فيها.. لِلنَّواظِرِ مَطْلَبُ
زادتْ بهاءً، والزَّمانُ كأنَّهُ
ما نَالَ منها، بل سَناها أعجَبُ
مَعها صِغارٌ، يَحمِلونَ صِفاتَها
سِحراً تَمادى.. والشَّبابُ مُطَيَّبُ
وقَفَ الزَّمانُ، وأُسْدِلَتْ أستارُهُ
نَظَرٌ طَويلٌ.. كالأحبَّةِ نَقْرُبُ
تلكَ التي كانتْ مَلاذَ مَواجِعي
أَتَظَلُّ تذكُرُ.. أم طَواها الغَيْهَبُ؟
دَنَتِ الـخُـطى، والصَّمْتُ يَـكسـرُ هَـيْبَةً
والقَلْبُ بَينَ جَوانِـحي يَـتَـوَثَّـبُ
قَالَتْ: وفي صَوتِ الحَنينِ بَحاحَةٌ:
أَنْتَ الـذي بِالذِّكرَياتِ تُـعَـذَّبُ؟
حقًا !! أتذكُرُ عَهْدَنا وَوِدادَنا؟
أَمْ أنَّ كَأسَ البُعْدِ مُرٌّ أشْيَبُ؟
فأجَبْتُها، والدَّمْعُ يَسبقُ مَنطِقي:
هَيْهاتَ يَنسى مَن بِـحُـبِّكِ يَطْرَبُ
يا مَن سَكَنتِ الرُّوحَ رُغْمَ رَحيلِكِ
هلْ غَابَ بَدْرٌ في السَّماءِ ويُحجَبُ؟
قَالَتْ: مَضى مَا قَد مَضى، ولَـرُبَّما
بَعدَ الـمَشيبِ يَعودُ قَلبي يَتْعَبُ
فأجَبْتُها: مَا الشَّيْبُ إلا زِينَةٌ
والحُبُّ في شَرْعِ الـوَفاءِ مُهَـذَّبُ




