العراق أمام منعطف مائي خطير: أزمة وجودية تحتاج “مشروع دولة بذاكرة رافدينية”

24..متابعة
يشهد العراق اليوم واحدة من أخطر أزماته الوجودية، حيث لم يعد ملف المياه مجرد قضية بيئية أو موسمية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن الوطني واستقرار المجتمع ومسار التنمية. في قلب بلاد الرافدين، حيث صاغت دجلة والفرات تاريخ الحضارات، تواجه البلاد تراجعًا حادًا في إيراداتها المائية، ما يفرض تحولًا جذريًا في التفكير والتعامل مع هذا المورد الحيوي، والانتقال من اعتباره “موردًا طبيعيًا” إلى التعامل معه بوصفه “ملفًا سياديًا وأمنيًا”.
التقارير الدولية والمحلية تتفق على أن العراق من أكثر الدول عرضة لتأثيرات التغير المناخي، وهو ما يظهر بوضوح في انخفاض حصته من المياه، إضافة إلى الضغوط التي تفرضها طبيعة إدارة الأنهار في دول المنبع. هذا الانخفاض ترك آثارًا واسعة على الزراعة والاقتصاد الريفي، وعمّق مشكلة التصحر وزيادة الملوحة في الجنوب، ما أدى إلى خروج مساحات واسعة من الإنتاج، وتهجير مجتمعات تعتمد على الزراعة والصيد.
إلى جانب ذلك، يعاني الداخل العراقي من تحديات معقّدة، أبرزها ضعف كفاءة شبكات الري، واستمرار الاعتماد على أساليب زراعية مستنزفة للمياه، ما يؤدي إلى هدر كميات ضخمة كان يمكن أن تسهم في سد الفجوة المائية المتزايدة.
إن ما يحتاجه العراق اليوم لا يقتصر على مشاريع بنى تحتية، بل يتطلب “فلسفة رافدينية جديدة” و“مشروع دولة” يعيدان تعريف إدارة المياه بوصفها مؤسسة وطنية تحمل ذاكرة المكان، وتحمي التنمية، وتدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. هذا التحول يستلزم اعترافًا حكوميًا بأن الأزمة المائية هي التحدي الأول للدولة العراقية، وأن مواجهته تتطلب إنشاء سلطة موحدة للمياه تتمتع بصلاحيات تتجاوز التقسيمات الإدارية التقليدية.
كما يتطلب الأمر تفعيل دبلوماسية مائية فعّالة لضمان حصة عادلة من الأنهار المشتركة، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى بناء شراكات طويلة الأمد. وعلى المستوى الداخلي، لا بد من إصلاح جذري لأساليب الري واعتماد التقنيات الحديثة، مثل الري بالتنقيط، ومعالجة الهدر الضخم في شبكات التوزيع التي تفقد نصف كميات المياه تقريبًا.
ويتوجب كذلك وضع سياسات طويلة الأمد تراعي احتياجات الأجيال المقبلة، من خلال استثمار مدروس للمياه الجوفية، وتطوير منظومات معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، بما يضمن أمنًا مائيًا مستدامًا.
إن الأزمة ليست في نقص المياه وحده، بل في غياب الرؤية والسياسات والحوكمة الفاعلة.
ويمتلك العراق، بذاكرته الرافدينية العميقة وتجارب حضاراته، القدرة على تجاوز هذا المنعطف الخطير إذا ما ارتقى ملف المياه إلى مستوى الأولوية الوطنية القصوى، سياسيًا واقتصاديًا وبيئيًا.




