أمير الشيخ… سيرة فنان حمل اللوحة حتى اللحظة الأخيرة

24..متابعة
في مدينة العمارة، حيث تنبعث الحكايات من ضفاف دجلة وتتشكل الأرواح على وقع ضوء الجنوب وحرارته، وُلد عام 1955 فتى نحيل الملامح، واسع الخيال، كان قدره أن يعيش للفن وحده. لم يكن أمير عبد الكريم الشيخ مجرد رسام؛ كان مشروعًا جمالياً متكاملاً يمشي على قدميه، ووعياً مبكراً يسعى لفهم الحياة عبر فرشاة تبحث عن أسرار الكون داخل مساحة من القماش.
منذ خطواته الأولى في المدرسة، أخذت ملامح موهبته تبرز كأنها قدر محتوم. كان يميل لرسم وجوه الممثلين وأبطال الحكايات الشعبية، ثم دخل منتصف السبعينيات إلى أكاديمية الفنون الجميلة / فرع الرسم، حيث بدأت رحلته الحقيقية مع اللون والتكوين والفكرة. هناك اكتملت معالم رؤيته، واشتدت صلته بنظريات الفن الحديث، فصار الفن بالنسبة إليه ليس مهارة، بل لغة داخلية للبوح الوجودي.
المعرض الأول… ولادة فنان
في صيف 1978 شهدت قاعة المكتبة المركزية في العمارة أول مواجهة مباشرة بينه وبين الجمهور. كان جناحه يقابل جناح الفنان الراحل حميد نعيم سادة، فترك المعرض في الذاكرة المحلية انعطافة واضحة، وفتح باباً جديداً لذائقة المدينة تجاه اللوحة الزيتية. كان واضحاً أن فناناً جديداً قد خرج إلى الضوء.
تجربة تتشكل… وهمّ إنساني لا يهدأ
بعد تخرجه عام 1980 بدأ مسيرته مدرّساً لمادة الرسم، لكنه لم ينشغل يوماً بوظيفته بقدر انشغاله بتجديد أدواته الفكرية والفنية. كانت لوحاته تمتلئ بصراع الإنسان مع الخيبة والخراب والحروب التي حفرت عميقاً في وجدان جيله. ومع كل لوحة كان يزيد تمرده الداخلي، وتصبح ألوانه أكثر توتراً وعمقاً، حتى غدت لوحته مرآة للذات في لحظة قلق وجودي.
الدكتور عاصم عبد الأمير لخّص روح شخصية أمير الشيخ بقوله:
كان مهووساً بالبحث عن سرّ اللعبة الغامضة في الرسم… يقاوم قسوة الأيام بالألوان، ويحارب الخوف بالمشهد الفني، وينتصر في النهاية لأنه ظل متمسكاً بحلمه حتى اللحظة الأخيرة.
أسلوبه… من التشخيص إلى التعبير العميق
في بداياته مال إلى التشخيصية والبورتريت، متأثراً بأسلوب شيخ الرسامين فائق حسن في رسم الضوء والظل والخيول، ثم اتجه لاحقاً إلى التعبيرية، بعد أن اتسعت ثقافته وازدادت أسئلته، فصار اللون عنده ليس ظلاً وشكلاً فحسب، بل صوتاً داخلياً يترجم قلق الإنسان واحتجاجه.
أعماله وخطواته في المشهد التشكيلي
شارك في معارض عديدة داخل المحافظة وخارجها.
حاز أولى جوائزه عن بوستر “محو الأمية” منتصف السبعينيات.
نال تقديراً خاصاً من مركز الفنون في بغداد عن لوحته “الشهيد”.
أسّس مع مجموعة من شباب العمارة منتدى الفنانين التشكيليين الشباب سنة 1984، الذي أصبح لاحقاً منصة مهمّة للحركة التشكيلية.
خلّف وراءه مجموعة كبيرة من اللوحات الزيتية والمائية والتخطيطات بقلم الرصاص، ما تزال تحتفظ بها عائلته كمعرض دائم يروي سيرته.
كان يعتبر اللوحة مختبراً بصرياً يختبر فيه علاقات اللون والظل وتأثير المحيط على الموديل، ويرى أن نجاح العمل التشكيلي قائم على التكافؤ بين الشكل والموضوع، وعلى قدرة الفنان على التقاط الواقعي واليومي في أدق حالاته.
الرحيل الذي يشبه لوحة معلّقة
في صباح 17 كانون الثاني 1991، وبينما كانت السماء تمطر ناراً خلال القصف الأميركي–الأطلسي على العمارة، أصابته شظايا الموت قرب المكتبة العامة… المكان نفسه الذي كان شاهداً على أول معرض له. رحل الفنان وبقي الحلم معلّقاً فوق لوحاته، يضيء كلما مرّ أحدهم أمام عمل من أعماله.
خاتمة: ومضات لا تنطفئ
لم يكن أمير الشيخ مجرد فنان رحل مبكراً؛ كان روحاً عالية الحساسية، تشبه الألوان التي كان يغمس فيها قلبه قبل فرشاته. غادر الحياة على عجل، لكن أثره بقي ممتداً في ذاكرة العمارة، وفي وجدان كل من عرف فنه.
رحل الجسد… لكن اللوحة مازالت تقاوم.
ورحل الفنان… لكن الضوء الذي تركه على القماش لن يخبو.
لروحه السلام، ولإبداعه الخلود.




