قاسم الأعرجي … هندسة الأمن الوطني ومسارات الدولة


بقلم : الاعلامية القانونية ميلاد الربيعي
———————
في مرحلة تتسم بتعقّد المشهد الأمني وتحولات الإقليم ، برز مستشار الأمن القومي العراقي السيد قاسم الأعرجي كأحد أهم الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في رسم السياسات الأمنية للعراق ، مستنداً إلى خبرة ميدانية وسياسية واسعة مكّنته من الجمع بين العمل الاستخباري والرؤية الاستراتيجية وإدارة الملفات الحساسة داخلياً وخارجياً.
فمنذ توليه منصب مستشار الأمن القومي، أعاد الأعرجي تعريف دور الجهاز بوصفه مركزاً وطنياً لإدارة التهديدات وتنسيق القرار الأمني، وليس مجرد حلقة ادارية. فقد أسهم حضورُه في هندسة مقاربات جديدة جعلت الأمن القومي أكثر التصاقاً بالاستقرار السياسي والاجتماعي.
*إدارة الملفات الاستخبارية الحسّاسة
يقود الأعرجي مجلس الاستخبارات الوطني، ويشرف على التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية. وقد تميز دوره خلال الأعوام الماضية بعدّة محاور، أهمها :
- مكافحة تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة:
عمل الأعرجي على توحيد الجهد الاستخباري في مواجهة شبكات تهريب الأموال والمخدرات، وهي ملفات تُعد من أخطر آليات تمويل الجماعات المتطرفة. وتمكّن المجلس برئاسته من وضع آليات مشتركة بين أجهزة الدولة لإغلاق الثغرات المالية التي تستغلها التنظيمات الإرهابية . تطوير آليات التحليل الاستراتيجي:
دعم المستشارية في إنشاء منصات للتحليل والتقييم تعتمد على البيانات الميدانية، ما عزز قدرة الدولة على استشراف التهديدات الأمنية قبل وقوعها، خصوصاً فيما يتعلق بعودة خلايا الإرهاب في بعض المحافظات.
3- تعزيز سيادة الدولة ورفض الادعاءات المضللة :
أظهر الأعرجي موقفاً واضحاً في الملفات المتعلقة بالسيادة الوطنية. ففي القضايا التي أثارت الرأي العام، مثل الادعاء بوجود مقر استخباراتي أجنبي داخل الأراضي العراقية، قاد الرجل لجاناً تحقيقية ميدانية، مؤكداً أن العراق لن يسمح بتحويل أراضيه إلى مسرح للصراعات الدولية أو لتداول المعلومات غير الدقيقة. هذه المواقف عزّزت صورة الدولة كطرف مسؤول وشفاف في قضايا الأمن الإقليمي.
4- تنظيم العلاقة مع الحشد الشعبي ضمن إطار الدولة :
من الملفات الشائكة التي تعامل معها الأعرجي باحترافية هو ملف الحشد الشعبي. تعامل الرجل مع هذا التشكيل بوصفه “جزءاً من المنظومة الأمنية”، مع التأكيد على ضرورة تنظيم الإطار القانوني الذي يعمل ضمنه بما يحفظ دوره ويعزز وحدة القرار العسكري.
الى ذلك، فتوازُن الأعرجي في هذا الملف ساعد على تهدئة التوترات السياسية ومنع تحويله إلى خلاف داخلي يُستغل على حساب الدولة.
*الدبلوماسية الأمنية… بُعد جديد لمفهوم الأمن القومي :
لم يقتصر دور السيد الأعرجي على إدارة الملفات الداخلية، بل قاد توجهاً واضحاً نحو الدبلوماسية الأمنية، وهي مقاربة تعتمد على الحوار وتخفيف التوتر الإقليمي عبر قنوات سياسية وأمنية. وقد تجلى ذلك عبر:
1. الحوار مع دول الجوار :
قام الأعرجي بتعزيز التنسيق مع الكويت وإيران وتركيا والسعودية وباقي دول الخليج، مؤكداً أن العراق يسعى إلى علاقات لا تقوم على الاستقطاب بل على المصالح المشتركة وحماية الحدود واحترام السيادة.
- تعزيز التفاهم بين بغداد وإقليم كردستان:
من خلال زياراته ولقاءاته بقيادة الإقليم، أسهم في تقوية الربط الأمني بين الحكومتين، ومعالجة الملفات المتعلقة بالمراكز الحدودية، وملاحقة شبكات التهريب، وتبادل المعلومات الاستخبارية.
*إرساء بيئة سياسية داعمة للأمن والاستقرار :
تُظهر تجربة الأعرجي في المنصب أن الأمن القومي لا يتحقق فقط بالسلاح، بل ببناء التوافق السياسي. وقد عمل الرجل على جمع الأطراف المختلفة على طاولة واحدة، خاصة في لحظات الانسداد السياسي، لتقريب وجهات النظر ومنع انزلاق الخلافات إلى صراع يضر بالمصلحة العامة.
هذا النهج جعل المستشارية لاعباً محورياً في صناعة الاستقرار السياسي، لا مجرد جهاز أمني مغلق.
*رؤية نحو أمن يعتمد على القدرة الذاتية :
يركز الأعرجي في خطاباته ومقابلاته على أن مستقبل العراق يتجه نحو تعزيز القوى الوطنية القادرة على حماية البلاد دون الاعتماد على القوات الأجنبية. وقد ساهم في وضع خطط لإعادة تنظيم بعض الوحدات القتالية، وتطوير برامج التدريب المشتركة، وبناء علاقات جديدة في مجال تبادل الخبرات العسكرية مع دول داعمة.
** خلاصة: إدارة هادئة… ونتائج ملموسة :
يمثل السيد قاسم الأعرجي اليوم أحد أهم أعمدة الأمن الوطني في العراق.
ليس بسبب دوره الأمني فحسب، بل لقدرته على الجمع بين الهدوء السياسي، والرؤية الاستراتيجية، والتوازن في التعامل مع الملفات المعقدة.
أسلوبه المتزن، وشبكة علاقاته الداخلية والإقليمية، جعلا المستشارية تحت قيادته مؤسسة فاعلة في حماية استقرار البلاد وإعادة صياغة مفهوم الأمن القومي بما يتناسب مع تحديات العصر ، وهو ما يدفع بتأمل أن يقود البلد من اعلى سلطته التنفيذية لما له من توازنات فاعلة ومشهودة.
الحقوقية م. الربيعي في 22.11.2025





