“صوتُ الكوفة المخنوق”… مسلم أبن عقيل عليه السلام

الأستاذة إيمان الشيباني
في زوايا التاريخ المخضب بالدم، يبرز اسم مسلم بن عقيل عليه السلام شامخًا كنخلة لم تنحنِ للعاصفة. لم يكن مجرد رسولٍ من الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة، بل كان سفيرًا للثورة وضميرًا للحق في زمنٍ تاهت فيه البصائر وتكسّرت فيه العهود. حين دخل الكوفة، استقبله الآلاف، وبايعه الناس على السمع والطاعة. ظن البعض أن الثورة قد نجحت قبل أن تبدأ، لكن مسلمًا، ببصيرته وحنكته، لم يُخدَع بزيف الجموع ولا كثرة الشعارات.
كان يعلم أن بيعة بلا وفاء، لا تساوي شيئًا، لذلك ظلّ يراقب المواقف لا الأصوات، والقلوب لا الأيدي. وحين بدأت الأوامر تصل من والي يزيد، عبيد الله بن زياد، واشتد القمع والخوف، تفرّق الناس عنه، ولم يبقَ معه أحد. ومع ذلك، لم يفرّ، لم يختبئ، لم يساوم. قاتل جند السلطة بسيفه وحده حتى أثخنوه جراحًا، وأُسِر، واقتيد إلى قصر الإمارة مكبلًا، ولكن منتصب الرأس.
في لحظة المواجهة داخل القصر، لم يطلب الحياة، بل طلب شيئًا واحدًا: أن يرسل للحسين عليه السلام برسالة العودة، لأن الكوفة خانت العهد. وكان هذا قمة الشجاعة والبصيرة؛ إذ لم يفكر في نجاته بل في إنقاذ الإمام. أمر ابن زياد بإعدامه، فسُحب إلى سطح القصر، وهناك سقط شهيدًا، ولكن سقطته كانت كالرعد، نبّهت الضمير، وفضحت الزيف، ومهّدت الطريق للدماء الطاهرة التي ستجري لاحقًا في كربلاء.
مسلم بن عقيل لم يمت غريبًا فقط، بل مات شامخًا، شجاعًا، قائدًا سبق زمانه، فكان أول من كتب بدمه أن الكوفة أرض تخون، لكن دماء الأحرار تبقى أصدق من كلماتها.
“سلامٌ على أول شهيدٍ مهّد للطف، وعلى من صدح بالحق حين صمتت المدينة، وعلى من ترجل كالأسد ولم ينحنِ لغير الله.”




