“قمة تحت الوسادة..حين اجتمع العرب ليحلموا ثم تفرّقوا كأنهم ما اجتمعوا!” عن قمة عربية وُلدت نائمة وماتت مُخدّرة

رسول حسين
في بغداد، وفي إحدى قاعات الفنادق الفخمة المحمية بألف جندي وألف حاجز، انعقدت القمة العربية التي انتظرها العرب بشغف لا مثيل له، خصوصًا لأنها جاءت بعد سلسلة طويلة من القمم التي لم تأتِ بشيء سوى ارتفاع منسوب المكيفات وبرودة المشاعر.
1. القمة التي دخلت التاريخ من نافذة النوم:
كعادة القمم العربية، بدأت متأخرة عن موعدها بساعتين ونصف، ليس بسبب الزحام أو أعطال الطائرات، بل لأن أغلب القادة تأخروا في الاستيقاظ من “أحلام النهار”، حيث أُبلغ الحضور أن بعضهم لا يمكنه القدوم لأنه “يفكر”، وآخر اعتذر لأنه “مشغول بقمة داخلية مع زوجته الأولى”، وآخر أرسل مندوباً عنه يحمل معه كومة من الأوراق لا تحتوي إلا على: “نحن معكم بالكلام فقط”.
2. كراسي فاخرة، كلام مكرر، وقادة متغيبين:
دخل الوزراء العرب تباعًا وكأنهم يدخلون عيادة طبيب أسنان، كل واحد منهم يحمل ملامح القلق والملل، وجلسوا على مقاعد جلدية قد تكلّف إحداها راتب موظف عربي لعشر سنوات. الكل صامت… حتى بدأ الحفل!
افتتحت القمة بخطاب يقطر نفاقاً دبلوماسياً، مؤكداً أن هذه القمة ستكون “مفصلية” و”تاريخية” و”حاسمة”، وهي ذات المصطلحات التي استخدمت في 1987، و2003، و2011، و2022… لكن ما الذي تغير؟
3. أغرب لائحة غياب منذ قمة قريش:
غاب عن القمة ما يقرب من نصف القادة العرب، والسبب؟ تتنوع الروايات…أحد الرؤساء قيل إنه “في إجازة روحانية”، والثاني “لم يتلقَّ الدعوة”، والثالث “نسي الموعد”، والرابع “مشغول بتعديل دستوري يمكّنه من الحكم بعد الموت”. أما من حضر فكانوا على نوعين، نوع جاء ليأخذ صوراً للذكرى، وآخر جاء ليجدد نومه وسط ضجيج المتحدثين.
4. مهرجان الكلمات النائمة:
بدأت الكلمات… وكل كلمة كانت أطول من سابقتها، حتى ظنّ البعض أنهم في ماراثون خطابي، لا قمة سياسية. أحدهم تحدث عن “الوحدة العربية” بينما قواته تمنع جاره الذي احتلت أراضيه ويمنعه من المرور عبر معبر الموت، وآخر عن “التعاون الاقتصادي” وهو يحاصر بلدًا عربيًا منذ عقد، وثالث طالب بـ”حل القضية الفلسطينية” وهو رئيس الوزراء الفلسطيني!، الذي يطالب المقاومة بتسليم السلاح!!!!!!!.
5. مترجم نائم، وأجهزة ترجمة تتحدث كالصراصير:
مما زاد الطين بلة، أن أجهزة الترجمة في القاعة بدأت تصدر أصواتًا غريبة، قيل إنها “تأوهات فنية”، فاضطر البعض إلى خلعها والاكتفاء بمراقبة حركة الشفاه. المترجم غفا في منتصف خطاب رئيس عربي كون الرئيس لا يجيد التحدث بلغة الخطاب.
6. الصحفيون: ضحك، وبحث عن أخبار لا تُقال:
في الخارج، جلس الصحفيون من كل الوكالات، يتابعون ما يحدث على الشاشة الضبابية داخل المركز الصحفي. أحد الصحفيين قال: “ما الفرق بين هذه القمة وقمة 2012؟” أجابه زميله: “في 2012 على الأقل كان هناك شاي ساخن”، أما ثالثهم فكتب تقريراً بعنوان: “اللاشيء يجتمع في بغداد”.
7. وجبات دسمة وكلمات فارغة:
خارج قاعة الاجتماعات، كانت بوفيهات الطعام أكثر حماسًا من القادة أنفسهم، واشتعلت المنافسة على أطباق الدولمة والكباب أكثر من أي بند على جدول الأعمال. أحد الوزراء تناول ثلاث صحون من الشيش طاووق ثم تحدث عن “التقشف”، فصفق له الحضور بحرارة وهم يمسحون الشحوم من ذقونهم.
8. بغداد تستضيف القمة، وتنتظر الصحوة:
أهل العراق كانوا يتابعون القمة عبر الشاشات، وبينما تزدحم الشوارع بالحواجز وتُغلق وتُمنع حركة السير، لم يرَ المواطن البغدادي من القمة شيئاً سوى “موكب… فمطرقة كلامية… فانقطاع كهربائي في الليل”.
9. قمة من ورق… بقرارات من دخان:
أما البيان الختامي، فقد تمت كتابته مسبقاً في أحد المكاتب الخلفية، وتمت إضافة عبارات مثل “نجدد العهد”، و”ندين بأشد العبارات”، و”ندعو إلى الحوار”، دون أن يُفهم من المقصود بالحوار، أو مع من.
10. الفقرة الأهم: من فاز بالمسابقة؟
تداول بعض الحاضرين نكتة داخلية: “من سيحصل على جائزة أجمل خطاب ممل؟”، وفاز بها أحد القادة الذي استمر في الحديث خمسًا وعشرين دقيقة دون أن يفتح عينيه، ثم أنهى كلمته قائلاً: “والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته… ولا تنسوا أن تُطفئوا الميكروفون”.
11. القمة على وسائل التواصل:
على فيسبوك وتويتر، لم تكن القمة حدثًا سياسيًا، بل مسابقة سخرية جماعية، “قمة عربية بربع حضور وربع جدية وربع كهرباء وربع تمثيل شعبي”، “يبدو أن الحاضرين في بغداد، ولكن عقولهم في كانكون”، “نرجو من القمة القادمة أن تكون على الزوم… أو ألا تكون”.
12. الأمن… أكثر من الحضور:
الغريب أن عدد رجال الأمن كان أكبر من عدد الصحفيين، والمصورين، والحاضرين، والمغيبين مجتمعين! حتى أن أحدهم تساءل: “هل القمة لحماية الرؤساء من الشعب… أم لحماية الشعب من القمة؟”
13. الفقرة الكوميدية: مؤتمر صحفي بلا أسئلة
بعد نهاية القمة، عُقد مؤتمر صحفي “للحديث عن إنجازات القمة”، واستمر خمس دقائق فقط لأن الصحفيين لم يسألوا شيئاً، فقد كانوا نائمين أو في طريقهم للبيت. أحد المسؤولين اختتم المؤتمر بجملة شهيرة: “نحن نعمل في صمت… حتى لا يسمعنا أحد”.
14. من قمة إلى قاع:
هكذا، انتهت القمة العربية في العراق، كما بدأت: ضبابية، خطابية، صوتية بلا مضمون. اجتمع العرب في قاعة واحدة ليُثبتوا للعالم أنهم ما زالوا قادرين على شيء واحد فقط: “الحلم”، لا أكثر.
15. وأخيرًا… هل من قمة قادمة؟
أعلن الناطق باسم القمة أن القمة القادمة ستُعقد في دولة عربية “لم تُحدد بعد”، وألمح إلى أنها قد تكون على القمر لتقليل عدد الحضور وزيادة التركيز. أما المواطن العربي، فقد عاد إلى يومه الطويل متسائلاً: “متى تكون لنا قمة نشعر بها لا نحلم فيها؟”.
القمة كانت نائمة… والشعوب مستيقظة، نحن لا نكره القمم، لكننا نكره أن تُعاملنا كأننا في رواية عبثية. إذا كانت القمم العربية تشبه مسلسلاً دراميًا مملًا، فإن الحلقة الأخيرة كتبتها بغداد: “قمة الأحلام… بلا أفعال”. هل ستتغير الأمور؟ ربما عندما تجتمع القمم تحت خيمة واحدة اسمها “الشعوب”… لا الكراسي.




