ثورة الطباشير..عندما يطالب أصحاب أطول عطلة في التاريخ بالمزيد !!

رسول حسين
في خضم موجات التظاهر التي تهز البلاد من حين لآخر، خرجت علينا مؤخراً شريحة الكوادر التعليمية بمظاهرات تطالب بـ”حقوقها المسلوبة” و”امتيازاتها المؤجلة”، وكأنهم يلقون محاضرات في القطب الشمالي دون كهرباء أو طباشير. المطالب هذه المرة ليست برواتب فقط، بل بعلاوات، وقطع أراضٍ، ومكافآت، وربما لاحقًا حق المشاركة في كأس العالم للمعلمين.
الملفت في الأمر أن هذه المظاهرات انطلقت بشكل “عفوي جداً”، كما يقال، في وسط وجنوب العراق، وبأعداد منظمة أكثر من تنظيمات السير عند إشارات المرور. لا أحد يعرف من يقف خلفها، ومن رسم شعاراتها، لكن المؤكد أن من حضرها لم ينس ارتداء نظارات شمسية وشرب قناني المياه المستوردة، تحسبًا من شمس الوطن الحارقة التي لا ترحم أحدًا، باستثناء أصحاب الرواتب العالية.
الغريب أن أصحاب هذه المطالب قد نسوا – أو تناسوا – أن السنة الدراسية في العراق أقصر من عمر وردة بلا ماء؛ بين عطلة نصف السنة وعطلة الصيف، وإضرابات متكررة، و”أيام تربوية” و”اجتماعات إدارية”، و سفرات مدرسية تنتهي في مدينة ألعاب، لا يكاد يبقى من التعليم سوى بضعة أسابيع مشفوعة بدعوات المعلمين بـ”الله يسهل علينا وعليكم”.
ثم أين كنتم عندما تسللت المدارس الأهلية إلى قلب النظام التعليمي مثل قطرة زيت على ملابس بيضاء؟ هذه المدارس التي تُفتتح أحيانًا فوق السطوح، أو في كراج بيت، تُزوِّر الواقع بحفلات تخرج مبكرة وابتسامات اصطناعية، وتبيع شهادة مدرسية ملفوفة بالشوكلاتة المستوردة.
أما الدورات الخصوصية، فحدث ولا حرج. تلك التي تبدأ من الصف الأول الابتدائي وتنتهي قبل الامتحانات العامة بيوم، وبأسعار قد تعادل اشتراك إنترنت لشهرين. النتيجة؟ جيل يعرف كيف يفتح تطبيق “تيك توك” لكنه لا يعرف لماذا الأرض تدور، أو ما هو الفرق بين الفاعل والمفعول به.
من المفارقات أن الأهالي يدفعون لهذه المؤسسات مبالغ طائلة على أمل إنقاذ أبنائهم من شبح الرسوب، بينما يتذمرون من تقديم تبرعات للمدارس الحكومية التي ما تزال تُدرِّس بمناهج قديمة، وتفتقر حتى إلى مقاعد صالحة للجلوس.
والسؤال الأكبر هنا: هل التعليم في العراق ما يزال تعليمًا أم مجرد ذكرى مدرسية؟
عندما نقارن حالنا بالدول المتقدمة، نجد أن المعلم هناك لا يطالب بحقوقه في الشارع، بل في قاعة الدرس، حيث يبني أجيالاً ويخترع وسائل تدريسية تليق بالمستقبل. هناك، التعليم لا يُستخدم كورقة ضغط، ولا التلاميذ يُعاملون كأرقام في تقارير النجاح، بل كأرواح يجب تنميتها وعقول يجب إطلاقها.
في الختام، لا نقلل من قيمة الكادر التعليمي – فهو بلا شك عنصر أساسي في بناء الوطن – لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول رسالة التعليم إلى وسيلة للامتيازات، وتتحول المظاهرات إلى مسرحية هزلية نعرف بدايتها ولا نعلم متى تُسدل ستارتها.
ولربما، لو قرأ بعض منظمي هذه الاحتجاجات شيئًا من كتب التربية الحديثة، لأدركوا أن الإصلاح لا يبدأ من رفع الشعارات، بل من رفع المستوى.




