آخر الأخبار
ألمقالات

حين يتحوّل الانحراف إلى سلوك جمعي… جرس إنذار أخلاقي واجتماعي

حين يتحوّل الانحراف إلى سلوك جمعي… جرس إنذار أخلاقي واجتماعي
بقلم /الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري

أثارني – كما أثار كثيرين غيري – مشهد مجموعة من الشباب وهم يطاردون سائحًا يابانيًا يقود دراجته الهوائية في إحدى المناطق الشعبية، محاولين إيقافه وسرقته، بل وتهديده بالسلاح لإخافته وابتزازه. مشهد مرعب، لا لأن الجريمة كادت أن تقع فحسب، بل لأن الضحية كان غريبًا جاء ضيفًا، يحمل صورة مسبقة عن بلدٍ يفترض أن يكون آمنًا ومضيافًا.
والمفارقة المؤلمة أن المشهد ذاته انقلب في لحظة: تدخل آخرون، منعوا الجريمة، اصطحبوا السائح المرتجف من الخوف، ضيّفوه وأطعموه وأبقوه عندهم حتى الصباح، ثم زودوه ببعض الاحتياجات وودّعوه بسلام. هنا تتجلى الازدواجية الخطيرة: مجتمع واحد، بسلوكين متناقضين تمامًا.
وفي مشهد آخر، لا يقل قسوة، ظهر أحد ما يُسمّى بـ“التيكتوكر” أو “البلوغَر” مع زوجته، وهما من جنسية أوروبية، حين تجمع فتية من أبناء الشوارع للتحرش بزوجته ومحاولة لمسها. كان الرجل يحاول منعهم، ويخبرهم بأنها زوجته، ظنًّا منه أن ما يعرفه في بلاده من احترام المرأة وحدود العلاقة سيحميه هنا. لكنه اكتشف أن بعض العقول لم تعد تعترف لا بزواج، ولا بحرمة، ولا بوجود زوج، ولا حتى بحدود إنسانية دنيا.
أما المشهد الأكثر رعبًا، فهو ما جرى في يوم رأس السنة الميلادية في محافظة البصرة، من حادثة تحرش جماعي بصبية صغيرة، على مرأى من جمهور من الشباب المنحط أخلاقيًا، في جريمة لا يمكن تبريرها بأي ظرف، ولا تفسيرها إلا كعلامة انهيار أخلاقي خطير.
هذه المشاهد، ومن مناطق متعددة، تخبرنا أن الحالة لم تعد فردية أو استثنائية. وحين يتحول السلوك المنحرف إلى سلوك جمعي، فهذا يعني أن الخطر كبير، وأن جرس الإنذار قد قُرِع بالفعل.
إن إعادة الأمور إلى نصابها لم تعد ترفًا فكريًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية. لكنها لا تكون بالفوضى، ولا بالانتقام، بل بالحزم القانوني، والردع العادل، وتطبيق القانون بلا تمييز.
وهنا لا بد من تظافر جميع الجهود:
الأسرة: باستعادة دورها الحقيقي، وتولي الأب والأم مسؤولية التربية، لا ترك الأبناء فريسة للشارع والفراغ.
التربية والتعليم: عبر إعادة بناء منظومة القيم والأخلاق، لا الاكتفاء بالمناهج الجافة، بل زرع السلوك قبل المعلومة.
تنظيم استخدام الإنترنت: بعد أن تحوّل الانفلات الرقمي إلى أداة خطيرة لتشويه وعي الشباب، وتفكيك القيم، وإبعادهم عن ثوابت الدين والمجتمع.واباحة المشاهد الفاضحة ونشر السلوكيات الشاذه .
الأجهزة الأمنية: باستعادة هيبتها المهنية، من خلال التدريب، والانضباط، ومحاربة الرشوة، وترك التهاون في حماية الأمن العام.
العشائر العراقية: التي طالما كانت صمام أمان اجتماعي، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتربية أبنائها على الثوابت الدينية والاجتماعية، لا الاكتفاء بالتباهب بطلب الفصول العالية وتحويلها الى شعارات. للتباهي..
إن ما نواجهه ليس مجرد حوادث متفرقة، بل أزمة أخلاق عامة. ومعالجة الأزمات الكبرى لا تكون بالإنكار ولا بالصمت، بل بالاعتراف، والحزم وتطبيق القانون والحزم الامني، والعمل الجماعي الواعي. فإما أن نستعيد مجتمعًا تحكمه القيم والقانون، أو نترك الانحراف يتمدد حتى يبتلع الجميع بلا استثناء.لنواجة غضب الله ثم ننتظر مصيرنا المحتوم …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى