آخر الأخبار
ألمقالات

قطار بترايوس

قطار بترايوس

كتب رياض الفرطوسي

في بغداد، لا تأتي الأسماء الكبيرة مصادفة.
وحين يعود الحديث عن ديفيد بترايوس وتوم باراك، فالمسألة ليست زيارة بروتوكولية ولا حركة علاقات عامة، بل إشارة إلى أن شيئاً ما يجري التحضير له في الطبقة العميقة من المشهد العراقي.
العراق اليوم ليس ساحة حرب مفتوحة كما كان قبل سنوات، لكنه أيضاً ليس دولة مستقرة بالمعنى الحقيقي.
إنه بلد يعيش هدنة طويلة بين مشاريع متصارعة، هدنة تُدار بالمال أكثر مما تُدار بالسياسة، وبالتوازنات أكثر مما تُدار بالدستور.
بترايوس يعرف بغداد جيداً.
يعرف كيف تتحرك السلطة داخل الظل، وكيف تتحول المدن المتعبة إلى خرائط نفوذ، وكيف يمكن للفوضى أن تُدار بدل أن تُحسم.
أما توم باراك فيمثل وجهاً آخر من القوة الأمريكية الحديثة، القوة التي تدخل من أبواب الاستثمار والعقارات والمصارف والشبكات المالية العابرة للحدود.
بين خبرة الجنرال وخبرة المستثمر، تبدو بغداد كأنها تدخل مرحلة إعادة قراءة شاملة.
ليس لإسقاط النظام السياسي، بل لإعادة ترتيبه بما يناسب مرحلة الشرق الأوسط المقبلة.
في السنوات الماضية كان الصراع واضحاً وصاخباً.
أما الآن فقد صار أكثر هدوءاً وتعقيداً.
النفوذ لم يعد يمر فقط عبر الأحزاب والسلاح، بل عبر البنوك والشركات والمشاريع الاقتصادية والممرات المالية الرمادية.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن يتحول بعض السياسيين إلى رجال أعمال، أو أن تتحول السياسة نفسها إلى منصة لحماية الثروة لا لإدارة الدولة.
ثمة شعور داخل الطبقة الحاكمة بأن الزمن يتغير بسرعة.
كثير من الوجوه التي تصدرت المشهد بعد 2003 تدرك أن المستقبل لن يكون مضموناً كما كان، وأن التحولات الإقليمية والدولية قد تنتج طبقة جديدة أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بعالم المال والاستثمار.
من هنا يمكن فهم سباق المصارف، والشركات، والعقارات، وحتى محاولات إنتاج شبكات مالية تحمي النفوذ بعد تراجع الحضور السياسي.
كأن بعض القوى تحاول بناء “مخارج آمنة” قبل أن تتغير قواعد اللعبة بالكامل.
وفي الخلفية تقف الكارتلات الإقليمية بانتظار لحظة الدخول الأوسع.
( النفوذ الإيراني، المال الخليجي، المصالح الغربية، وشبكات الاقتصاد غير الرسمي ) ، كلها تتحرك داخل العراق بوصفه عقدة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
لكن الأخطر من كل ذلك أن المجتمع نفسه بدأ يتغير.
العراقي الذي عاش سنوات الحروب والشعارات الكبرى صار أكثر ميلاً للنجاة الفردية.
جيل كامل لم يعد يثق بالخطابات القديمة، ولا يصدق كثيراً لغة البطولة السياسية.
لقد دخلت البراغماتية إلى الحياة اليومية بقسوة، حتى بدا أحياناً أن السوق صار أقوى من الدولة، وأن المصرف أكثر تأثيراً من الحزب.
لهذا يبدو المستقبل مفتوحاً على صعود طبقة جديدة، طبقة المال الرمادي، المستثمرين الكبار، شبكات الأعمال، والاقتصاد الموازي الذي نما في ظل ضعف المؤسسات.
ولعل المفارقة أن العراق الذي أُنهك طويلاً بالحروب الأيديولوجية، قد يجد نفسه أخيراً أمام صراع من نوع آخر، صراع اقتصادي وأمني ناعم، أقل ضجيجاً لكنه أكثر عمقاً.
هنا يبرز السؤال الذي يتحرك بصمت خلف عودة بترايوس:
هل ما زالت واشنطن قادرة على إعادة ضبط الإيقاع العراقي؟
ربما لا تبحث الولايات المتحدة اليوم عن “انتصار” بالمعنى القديم، بل عن منع الانهيار الكامل.
فالعراق بالنسبة للأمريكيين ليس مجرد ملف محلي، بل نقطة توازن حساسة في منطقة تتغير خرائطها بسرعة.
لكن المشكلة أن القطار العراقي لم يعد يسير على سكة واحدة.
هناك سكة الدولة، وسكة الأحزاب، وسكة الاقتصاد الموازي، وسكة النفوذ الإقليمي، وكل واحدة تسحب البلاد باتجاه مختلف.
لهذا تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية.
ليست مرحلة الانفجار الكبير، بل مرحلة إعادة تشكيل هادئة قد تغيّر طبيعة السلطة والنفوذ داخل العراق من دون ضجيج.
وربما لهذا يعود اسم بترايوس الآن.
ليس بوصفه جنرال حرب، بل بوصفه رجلاً يعرف كيف تُدار المناطق الرمادية حين تعجز الدول عن إنتاج يقينها السياسي.
أما بغداد، فهي تراقب كل ذلك بقلق مدينة تعرف أن القطارات التي تدخلها نادراً ما تغادر من دون أن تترك أثراً عميقاً في مصيرها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى