ديمقراطية القفص

ديمقراطية القفص
كتب رياض الفرطوسي
في العراق، تبدو الديمقراطية واضحة على الورق، صناديق اقتراع، أصوات، حملات، صور مرشحين تبتسم بثقة، ولغة سياسية مشبعة بكلمات كبيرة مثل الحرية والعدالة والتغيير. كل شيء يوحي بأن الشكل مكتمل. لكن المشكلة لا تبدأ من الشكل، بل من الروح التي تسكنه، أو بالأحرى، من غيابها.
الديمقراطية هنا تُمارَس كإجراء، لا كقيمة. كطقس موسمي، لا كأسلوب حياة. ننتخب، نعم. نختلف، أحياناً. لكن في العمق، تبقى البنية النفسية والاجتماعية كما هي، لم تمسها رياح التغيير. وكأننا وضعنا نظاماً حديثاً فوق عقل قديم، فبقي القديم يدير الجديد من الداخل.
المفارقة تبدأ من البيت. هناك، حيث لا كاميرات ولا شعارات، يمارس الفرد سلطة مطلقة، صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها. رجل يطالب بالحرية في الشارع، لكنه يضيق بها داخل منزله. يرفض الوصاية عليه، ويمارسها على من هم أضعف منه. يرفع صوته ضد القمع العام، ويخفض سقف الحياة لمن يعيشون تحت سقفه.
هذا ليس تناقضاً عابراً، بل بنية كاملة. لأن الديمقراطية، قبل أن تكون نظام حكم، هي سلوك يومي، علاقة مع الآخر، اعتراف بإنسانيته واستقلاله. وحين تغيب هذه القيم في الأسرة، فإن ما يُبنى خارجها يكون هشاً، قابلاً للتشوه، مهما بدا متماسكاً في الظاهر.
البيت، في هذه الحالة، يتحول إلى نموذج مصغر. قفص مغلق، تُدار فيه السلطة بطريقة بدائية، حيث تُختزل القوة في السيطرة، وتُفهم الكرامة بوصفها هيمنة. ينشأ الطفل وهو يرى أن الصوت الأعلى هو الأحق، وأن الطاعة هي الطريق الآمن، وأن الحرية شيء يُطلب من الخارج، لا يُمارس في الداخل.
ثم يكبر هذا الطفل، يدخل المجتمع، يشارك في السياسة، يطالب بالديمقراطية، دون أن ينتبه أنه يحمل داخله نقيضها. يعيد إنتاج ما تعلّمه، لكن بلغة أكبر، بأدوات أكثر تعقيداً. وهكذا، تتحول الديمقراطية إلى قشرة، بينما يبقى الجوهر سلطوياً، متخفياً.
إلى جانب ذلك، تعمل ماكينة أخرى لا تقل تأثيراً، ماكينة الوهم. صور المدن اللامعة، الإعلانات التي تعد بمستقبل مشرق، الخطابات التي تتحدث عن مشاريع عملاقة وفرص قادمة. كل ذلك لا يخلو من أثر نفسي مقصود، إبقاء الإنسان مشدوداً إلى الغد، حتى لا يواجه واقعه بالكامل. فالأمل، حين يُضخ بكثافة، يمكن أن يتحول إلى وسيلة تأجيل، لا إلى دافع تغيير.
وهنا يلتقي الخوف مع الوهم. الخوف يدفع إلى الانكفاء، والوهم يمنح تعزية مؤقتة. بينهما، يعيش الإنسان في حالة معلّقة، لا هو قادر على المواجهة، ولا هو مستعد للتخلي عن الحلم. فيستمر الدوران.
أما الخطاب العام، فكثيراً ما يغرق في بطولات لفظية. أحاديث عن ثورات قادمة، عن نضال طويل، عن تاريخ شخصي حافل بالمواقف. لكن هذا الخطاب، حين لا يُترجم إلى سلوك يومي، يبقى نوعاً من التعويض الرمزي. كلمات كبيرة تغطي عجزاً صغيراً لكنه حقيقي.
المشكلة الأعمق أن النظام، في جوهره، ليس مؤسسة فقط. هو طريقة تفكير. حين تُختزل القيمة في الانتماء، في العائلة، في الاسم، في القرب من مركز قوة ما، تتراجع الكفاءة، وتُهمَّش النزاهة. يصبح الفرد محاطاً بسلاسل غير مرئية، لا لأنها مفروضة عليه مباشرة، بل لأنها متجذرة في وعيه.
وهكذا، تبقى المجتمعات تدور داخل دوائر مغلقة، قبلية، عائلية، حزبية. تتحول المدن إلى تجمعات متجاورة، لا إلى فضاء مشترك. ويصبح الانتماء بديلاً عن الاستحقاق، والولاء بديلاً عن القانون.
الديمقراطية، في معناها العميق، ليست صندوقاً ولا شعاراً. هي لحظة تجريد. أن يُنظر إلى الإنسان كإنسان، لا كامتداد لعائلة أو طائفة أو حزب. أن تُقاس قيمته بما يفعل، لا بما يرث. أن يكون حراً فعلاً، لا في الخطاب فقط.
لكن هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة. يبدأ من مكان بسيط ومزعج في آن واحد، من مراجعة الذات. من سؤال غير مريح، كيف أمارس أنا السلطة في حياتي اليومية؟ كيف أتعامل مع الأضعف مني؟ ماذا أفعل حين أملك قدرة على التحكم؟
من دون هذا السؤال، ستبقى الديمقراطية حلماً مؤجلاً، أو احتفالاً شكلياً، يشبه حفلة متأخرة، تُقام بعد أن يكون التعب قد استقر عميقاً في الجسد.
المشكلة ليست في أن الديمقراطية غير موجودة تماماً، بل في أنها لم تكتمل بعد داخل الإنسان. وحين تكتمل هناك، يصبح ظهورها في الواقع مسألة وقت، لا مسألة صراع فقط.




